كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ
هذا مفتتح المقطع الثالث ومطلع القسم المقابل في السورة؛ فبعد أن استوفى الكلام في الفجار وكتابهم ومآلهم انتقل إلى الأبرار وكتابهم ومآلهم. والمعنى: ليس الأمر على ما يظن المكذبون، بل إن كتاب الأبرار الذي دُوّنت فيه أعمالهم مثبت في عليين. و«الأبرار» جمع «بَرّ» أو «بارّ»، من «البِرّ» وهو الاتساع في فعل الخير؛ ومنه «البَرّ» للأرض الواسعة. واختلف السلف في {عِلِّيِّينَ} كما اختلفوا في نظيره: فقيل هو السماء السابعة، وقيل سدرة المنتهى، وقيل قائمة العرش اليمنى، وقيل هو الديوان الجامع لأعمال الأبرار. وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال عن أهل التأويل. وجاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل في قبض روح المؤمن أن الله يقول: «اكتبوا كتاب عبدي في عليين»؛ أخرجه أحمد في المسند، وأبو داود في سننه في كتاب السنة، باب في المسألة في القبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح المقطع الثالث لا خاتمة لما قبله؛ فهي تبتدئ حديث الأبرار الذي يمتد إلى آخر ذكر التسنيم. وقد بُنيت على نظير ما بُني عليه مطلع المقطع الثاني حرفاً بحرف في التركيب: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} في مقابل {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}؛ فاتحد المبنى واختلف المعنى في الطرفين: كتاب بكتاب، وفريق بفريق، ومستودع بمستودع. وهذا التوازي المعماري هو الهيكل الحامل لبناء السورة كله. ثم إنها جواب لما قد يقع في النفس بعد استيفاء حال الفجار: فإذا كان هذا مصير أولئك فما مصير من خالفهم؟ فجاء الجواب على الفور بالمقابلة التامة، وسيتبعه التفخيم بالاستفهام ثم البيان ثم زيادة الاختصاص بشهادة المقربين.