يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
هذه زيادة اختص بها كتاب الأبرار ولم يُذكر لها نظير في جانب الفجار. والمعنى: يحضره ويشاهده المقربون من الملائكة. وذهب جمهور المفسرين إلى أن {الْمُقَرَّبُونَ} هم ملائكة الله المقربون؛ وقيل: مقربو كل سماء يشهدونه إذا رُفع إليهم؛ وقيل: هم المقربون من أهل الإيمان الذين هم أعلى مراتب السابقين. وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال عن أهل التأويل، وأكثرها على أن المراد الملائكة. واختلفوا في معنى الشهادة: أهي الحضور والمشاهدة، أم الشهادة بمعنى التزكية وأداء الشهادة لصاحبه؟ والمعنى الأول أشهر، ولا مانع من اجتماعهما؛ فحضورهم مشعر بتزكيتهم. وقرر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه الآيات أن في شهادة المقربين لكتاب الأبرار تشريفاً لهم وإعلاناً بفضلهم في الملأ الأعلى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موضع هذه الآية من النظم بالغ الدقة؛ فهي الفارق بين الشطرين بعد استوائهما في ثلاثة أركان: الردع، والتقرير، والتفخيم، والبيان. فلما استوت الصحيفتان في التوثيق جاءت هذه الزيادة لتقرر أن صحيفة الأبرار لها من الشرف ما ليس لغيرها؛ فهي مشهودة معلنة في الملأ الأعلى، بخلاف صحيفة الفجار التي أُودعت في ضيق ولم يُذكر لها شاهد. ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها؛ فإن الانتقال من ذكر الكتاب إلى ذكر أصحابه في {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} احتاج إلى واسطة ترفع الكلام من الصحيفة إلى صاحبها؛ فكانت شهادة المقربين هي هذه الواسطة؛ إذ الشهادة إنما تكون لصاحب العمل لا للورق. ثم يعود لفظ {الْمُقَرَّبُونَ} بعينه في الآية الثامنة والعشرين؛ فيتصل أول المقطع بآخره.