وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ
وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ
هذه اللقطة الثالثة؛ والمعنى: وإذا رجع المجرمون إلى أهليهم وذويهم رجعوا معجبين بما كان منهم متلذذين بذكره متفكهين به. و«الفكاهة» في اللسان: المزاح وطيب النفس؛ يقال: رجل فَكِه إذا كان طيب النفس مزّاحاً. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معنى {فَكِهِينَ} معجبين بما هم فيه، متلذذين بذكر المؤمنين والسخرية منهم. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن هذا وصف لهم بأنهم لا يشبعون من الاستهزاء في مجالسهم حتى ينقلوه إلى بيوتهم فيجعلوه مادة لتفكههم. وأشار ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية إلى أن ذكر الانقلاب إلى الأهل يفيد أن هذا السلوك لم يبق في المجالس العامة بل تسرب إلى داخل البيوت؛ فصار مادة تربية لمن بعدهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية الثالثة في سلسلة اللقطات؛ وقد نقلت المشهد من الطريق والمجلس العام إلى داخل البيت. وفي هذا الانتقال معنى دقيق في النظم: فإن ما يقع في الطريق قد يكون عارضاً لا يستقر، وأما ما يُنقل إلى البيت ويُجعل مادة للسمر فهو أمر مستقر متأصل. ثم إن هذا المقطع كله يقابل ما تقدم في المقطع الثالث من نعيم الأبرار؛ فأولئك على الأرائك ينظرون في مجالس النعيم، وهؤلاء ينقلبون إلى أهليهم فكهين في مجالس اللهو؛ ثم يُقلب المشهدان في آخر السورة. ومجيء هذه اللقطة بعد الغمز فيه تدرج في اتساع دائرة الأذى: من إشارة بين اثنين إلى حديث يشيع في بيت بأكمله.