كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ
افتتحت الآية بحرف الردع {كَلَّا} زجراً لهم عن غفلتهم وتطفيفهم، ثم انتقل السياق إلى تقرير مصير سجل أعمالهم. والمعنى: ليس الأمر كما ظنوا من إهمال أعمالهم، بل إن كتاب الفجار مثبت محفوظ في سجين. وقد اختلف السلف في تعيين {سِجِّينٍ}: فرُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الأرض السفلى، وقيل: هو صخرة تحت الأرض السابعة، وقيل: هو موضع في جهنم، وقيل: هو اسم للكتاب الجامع الذي فيه دواوين الفجار. وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية هذه الأقوال عن أهل التأويل. وورد في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الطويل في قبض روح الكافر أن الله يقول: «اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى»؛ أخرجه أحمد في المسند، وأبو داود في سننه في كتاب السنة، باب في المسألة في القبر. والجمع بين الأقوال ممكن: فيكون سجين موضعاً سافلاً يُودَع فيه الكتاب، وسُمي الكتاب باسم موضعه توسعاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الردع بـ {كَلَّا} في موضعه من النظم؛ إذ سبقه استفهام إنكاري وتصوير لمشهد القيام، فكان الزجر بعده كالفصل القاطع بين الغفلة وبين ما ينتظرهم. ثم انتقل الكلام من الحديث عن المطففين خاصة إلى الحديث عن الفجار عامة؛ وهذا التعميم مقصود: فالتطفيف فرد من أفراد الفجور، والحكم يعم أصله. ثم إن ذكر الكتاب هنا يستدعي ما تقدم في خاتمة السورة السابقة من ذكر الحفظة الكاتبين؛ فكأن هذه الآية جواب عن سؤال مقدر: فأين يصير ما كتبه أولئك الكاتبون؟ فقيل: كتاب الفجار في سجين. وهذا الموضع مبدأ المقابلة الكبرى التي تنتظم السورة؛ إذ يقابله في الآية الثامنة عشرة: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ}.