وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ
وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ
افتتح الله تعالى السورة بكلمة الوعيد القارعة {وَيْلٌ}، وأنزلها على صنف بعينه من الناس هم الذين يبخسون في الكيل والوزن. وقد روى الطبري في «جامع البيان» (24/ 186)جامع البيان٢٤/١٨٦ بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، فحسّنوا الكيل بعد ذلك»؛ وأورده ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير الآية الأولى من سورة المطففين. وهذا الأثر إنما ورد في نزول صدر السورة خاصة، وسائر آياتها جارٍ على النَّفَس الأول في تقرير البعث والجزاء ووصف المكذبين. واختلف السلف في تفسير {وَيْلٌ}: فقيل هو الهلاك والخزي، وقيل هو كلمة تقولها العرب لمن وقع في مهلكة، وقيل هو وادٍ في جهنم؛ والذي عليه المحققون أن الأصل فيها الدعاء بالهلاك والوعيد بشدة العذاب، وما ورد من تسمية موضع في النار به فمحمول على بيان المآل لا على تفسير اللفظ في اللسان. وذكر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» عند مفتتح سورة المطففين أن هذا الوعيد أشد ما وُوجه به فعل من أفعال المعاملات، لأنه سبحانه لم يقل «ويل للسارقين» ولا «ويل للغاصبين» بهذا الافتتاح، وإنما جعله لمن يبخس الشيء الطفيف؛ تنبيهاً بالأدنى على الأعلى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء مطلع السورة حكماً مجرداً بلا مقدمة ولا تمهيد؛ فبُدئ بالجزاء قبل ذكر الجُرم، ثم فُصّل الجرم في الآيتين بعده. وهذا العكس في الترتيب مقصود: إذ لو بُدئ بالوصف لتلقّته النفس تلقي الخبر، فلما بُدئ بالوعيد صار الوصف بعده تفسيراً لموجب قد استقر في السمع. ثم إن موضع السورة من التي قبلها ظاهر؛ فقد ختمت سورة الانفطار بتقرير الحفظة الكاتبين وبالتقسيم بين الأبرار والفجار، فجاءت هذه السورة تبتدئ من حيث انتهت تلك: من عمل يُكتب ومن ديوان يُودَع فيه. فكان الابتداء بأخفّ صور البخس مدخلاً لبيان أن القلم لا يُهمل الطفيف فضلاً عن الجليل.