كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ
جاء البيان الموعود بعد التفخيم. والمعنى عند أئمة التفسير: هو كتاب مسطور مبيّن قد رُقم فيه العمل رقماً لا يُمحى ولا يُنسى ولا يُزاد فيه ولا يُنقص منه. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن {مَّرْقُومٌ} بمعنى مكتوب، وقيل: معلّم عليه بعلامة تميزه، وقيل: مختوم مطبوع لا يُوصل إلى تغييره. وقرر البغوي في «معالم التنزيل» عند تفسير هذه الآية أن الرقم أخص من مطلق الكتابة؛ لأنه يفيد التعليم والتمييز مع الإثبات. واختلف المفسرون في مرجع هذا البيان: أهو تفسير لسجين أم تفسير للكتاب المذكور قبله؟ والأظهر عند المحققين أنه بيان للكتاب لا للموضع؛ إذ الموضع أُبقي على تفخيمه، وبُيّن حال المكتوب فيه بأنه محكم موثق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء البيان في أوجز عبارة بعد أوسع تفخيم؛ وهذا من أساليب النظم البديعة: يُهوَّل الشأن بالاستفهام ثم يُجاب بكلمتين. وفي هذا الإيجاز إشعار بأن المقصود ليس تفصيل الوصف، بل تقرير الإحكام والتوثيق. ثم إن هذه الآية تعود بالسياق إلى مطلع السورة عوداً لطيفاً: فالمطفف ينقص في الكيل ظاناً أن النقص لا يُحصى، فقيل له: إن عملك في كتاب مرقوم لا يُنقص منه ولا يُزاد فيه؛ فقوبل نقصه في الميزان بدقة الإحصاء في الديوان. وسيتكرر هذا اللفظ بعينه في الآية العشرين وصفاً لكتاب الأبرار؛ فتستوي الصحيفتان في التوثيق وتفترقان في المآل.