إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
افتتح بهذه الآية المقطع الرابع والأخير؛ وموضوعه سخرية المجرمين بالمؤمنين في الدنيا وانقلاب الموازين في الآخرة. والمعنى: إن الذين اكتسبوا الآثام كانوا في الدنيا يضحكون من أهل الإيمان استهزاءً بهم واستخفافاً بشأنهم. وذكر المفسرون أن هذا كان حال صناديد المشركين مع فقراء المؤمنين ومستضعفيهم؛ وقد ساق الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآيات ما رُوي في ذلك عن أهل التأويل. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآيات أن هذا وصف عام لحال المجرمين مع المؤمنين في كل زمان، وأن ذكر السبب الخاص لا يخرج الآية عن عمومها. وأشار ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية إلى أن هذا المقطع تسلية للمؤمنين وتثبيت لهم؛ إذ بيّن أن ما يلقونه سنة جارية، وأن العاقبة مقلوبة عليهم يوم الدين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل النظم من مشهد نعيم الأبرار إلى ذكر ما كانوا يلقونه في الدنيا؛ وهذا الانتقال يجمع بين وظيفتين: تسلية المؤمن بأن ما يلقاه اليوم قد لقيه من قبله، وبيان أن ما ناله من النعيم إنما هو عاقبة صبره على ذلك. ثم إن مجيء هذا المقطع بعد ذكر المقربين مباشرة له وجه دقيق: فقد وُصفوا بأعلى المقامات في الآخرة، فذُكر بإزائه أخس ما كانوا يُعامَلون به في الدنيا؛ فظهرت المفارقة بين تقدير الله لهم وتقدير الخلق. وستأتي أربع لقطات متتابعة لتصوير الاستهزاء: الضحك، ثم الغمز، ثم التفكه في مجالس الأهل، ثم التصريح بالتضليل؛ وهذه الآية أولاها.