تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
انتقل الوصف من هيئة المجلس إلى أثر النعيم على الوجوه. والمعنى: ترى أيها الناظر في وجوههم بهاء النعيم وحسنه ورونقه وإشراقه. و«النضرة» في اللسان: الحسن والرونق والإشراق الذي يعلو الوجه من أثر السرور والرفاهية؛ ومنه «شجرة ناضرة» إذا كانت ذات بهجة وخضرة. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معناها: تعرف في وجوههم بهجة النعيم وحسنه. وقرر ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية أن الخطاب في {تَعْرِفُ} موجه إلى كل من يصلح للخطاب؛ وأن إسناد المعرفة إلى المخاطب دون الإخبار المجرد يجعل السامع كأنه حاضر يعاين. وقد جاءت هذه المادة في موضع آخر من القرآن في وصف أهل الجنة يوم القيامة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}؛ فقُرن فيها الوصف بالنظر كما قُرن هنا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرج الوصف في هذا المقطع تدرجاً محكماً: مكان، ثم هيئة، ثم أثر باطن يظهر على الظاهر، ثم شراب. وموضع هذه الآية بين النظر والشراب دقيق؛ فإن النضرة أثر لما تقدم من النعيم ومقدمة لما يأتي من الشراب؛ فهي واسطة بين ما استقروا فيه وما يُسقَونه. ثم إن ذكر الوجوه هنا يقابل ما جاء في السورة من ذكر وجوه المستهزئين وضحكهم وغمزهم في آخرها؛ فوجوه هؤلاء عليها نضرة النعيم، ووجوه أولئك في الدنيا عليها آثار السخرية وفي الآخرة ما يقابلها. وفي هذا التقابل بين الوجوه معنى دقيق يجري في السورة كلها: أن ما في القلب لا بد أن يظهر على الوجه.