ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ
ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ
هذه العقوبة الثانية بعد الحجاب؛ والمعنى: ثم إنهم بعد ذلك الحجاب داخلو النار مقاسون لحرها ملازمون لها. و«الصَّلْي» في اللسان: ملازمة النار ومقاساة حرها؛ يقال: صلي النار إذا قاسى حرها، وأصلاه النار إذا أدخله فيها. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معنى {لَصَالُو الْجَحِيمِ}: لواردو الجحيم وداخلوها ومقاسو حرها. و«الجحيم» من أسماء النار؛ مأخوذ من «الجَحْمة» وهي شدة تأجج النار؛ يقال: جحمت النار إذا اضطرم لهبها. وقرر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه الآيات أن ترتيب هذه العقوبات بـ«ثم» يفيد أن كل واحدة منها أشد وقعاً في نفوسهم من التي قبلها في مقام العرض، مع أن الحجاب أعظمها في ميزان الحقيقة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرج النظم في العقوبات على وفق ما تتلقاه النفس: حجاب عن الرب، ثم صلي للجحيم، ثم تقريع بالقول. وجاء العطف بـ {ثُمَّ} لا بالفاء ولا بالواو؛ لإفادة التراخي في الرتبة والتفاوت في الشأن؛ فكأن كل عقوبة مستقلة برأسها تُستأنف بعد استقرار التي قبلها. وفي ترتيب النار بعد الحجاب معنى دقيق: أنهم لما حُجبوا عن ربهم لم يبق لهم منزل إلا الجحيم؛ فالحرمان من القرب يستتبع الوقوع في العذاب. ثم إن هذه الآية جاءت بين عقوبتين إحداهما معنوية والأخرى قولية؛ فتوسطت العقوبة الحسية بينهما؛ فاستوعبت الآيات الثلاث ألوان العذاب: عذاب الحرمان، وعذاب البدن، وعذاب التوبيخ.