وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ
هذا وصف ثالث للشراب؛ والمعنى: وما يُمزج به هذا الرحيق شراب من تسنيم. و«التسنيم» عين في الجنة سميت بذلك لعلوها؛ من «السَّنام» وهو أعلى ظهر البعير، ومن «سنّمه» إذا رفعه. وذهب جمهور المفسرين إلى أنها من أعلى أشربة الجنة وأشرفها. وقد ذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن أهل التأويل على أن التسنيم عين في الجنة، وأنها سميت بذلك لأنها تأتي من علو، أو لأنها أرفع شراب في الجنة. وقرر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن التسنيم أشرف شراب أهل الجنة، وأنه يُشرب صرفاً للمقربين ويُمزج به لسائر أهل الجنة؛ فمن كان أعلى منزلة كان حظه منه أوفر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تم بهذه الآية وصف الشراب من ثلاث جهات: خلوصه، وطيب ختامه، وشرف مزاجه. وترتيب هذه الأوصاف جرى من الظاهر إلى الأخفى: فالخلوص يُدرك أولاً، والختام يُدرك عند التناول، والمزاج لا يُعرف إلا بالخبرة بالمصدر. ثم إن هذه الآية مهدت لما بعدها تمهيداً لازماً؛ فإن ذكر التسنيم مجملاً أثار سؤالاً: وما التسنيم؟ فجاءت الآية بعدها بالبيان: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ}. وفي هذا الترتيب رجوع إلى الأسلوب الذي جرى عليه المقطع كله: إبهام يعقبه بيان. ثم إن ذكر المقربين في الآية التالية يعيد الصلة بأول المقطع حيث قيل: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}؛ فانتظم المقطع بين ذكرين لهم.