وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ
هذه اللقطة الثانية من صور الاستهزاء. والمعنى: وإذا مر المؤمنون بمجالس المجرمين غمز بعضهم بعضاً بالعيون والحواجب استهزاءً وسخرية. و«الغمز» الإشارة بالعين أو الحاجب أو اليد؛ و«التغامز» أن يفعل ذلك بعضهم مع بعض. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معنى {يَتَغَامَزُونَ} أن يغمز بعضهم بعضاً عابثين بالمؤمنين ساخرين منهم. وقرر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» عند تفسير هذه الآية أن هذا من أخس ما يعامَل به المرء؛ لأنه استهزاء خفي لا يستطيع المستهزَأ به دفعه ولا مؤاخذة صاحبه عليه؛ فهو أذى بلا مواجهة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرجت صور الاستهزاء في هذا المقطع تدرجاً نفسياً محكماً: بدأت بالضحك وهو أظهرها وأعلنها، ثم انتقلت إلى الغمز وهو أخفاها وأخبثها، ثم إلى التفكه في مجالس الأهل وهو أوسعها انتشاراً، ثم إلى التصريح بالتضليل وهو أشدها وأصرحها. فسار النظم من الظاهر إلى الخفي إلى المنتشر إلى المعلن؛ وهو استقصاء لطبقات الاستهزاء لا يترك منها طبقة. وموضع هذه الآية الثانية دقيق؛ فإن الغمز أشد إيلاماً من الضحك؛ إذ الضحك يُواجه ويُدفع، والغمز يقع في الخفاء فلا يجد المؤمن سبيلاً إلى ردّه؛ فجاءت الثانية أشد من الأولى مع كونها أخفى منها.