فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
هنا يُقلب المشهد؛ فبعد أن استوفى وصف سخريتهم في الدنيا انتقل الخطاب إلى يوم القيامة. والمعنى: فيوم القيامة الذين آمنوا من الكفار يضحكون؛ جزاءً وفاقاً لما كان في الدنيا. وذكر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية أن هذا الضحك يكون حين يرى المؤمنون ما صار إليه أعداؤهم من الهوان بعد أن كانوا يسخرون منهم. وقد ذكر المفسرون أن لأهل الجنة اطلاعاً على أهل النار كما جاء في القرآن في غير هذا الموضع في قوله عن صاحب الجنة: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ}؛ فيكون هذا الاطلاع سبباً لهذا الضحك. وقرر ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية أن تصدير الجملة بالفاء يفيد ترتب هذا المشهد على ما قبله ترتب الجزاء على العمل؛ فالضحك الأخير نتيجة للضحك الأول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي مفصل الانقلاب في السورة كلها؛ إذ يدور عندها الميزان دورة كاملة. وقد صيغت على وزان الآية التاسعة والعشرين نفسها في التركيب: موصول وصلته، ثم جار ومجرور مقدم، ثم فعل الضحك؛ فقيل هناك: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ}، وقيل هنا: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}؛ فتبادل الفريقان موقعيهما في الجملة نفسها. وهذا من أدق ما في بناء السورة؛ إذ جُعل انقلاب المآل انقلاباً في مواقع الكلمات؛ فصار التركيب نفسه حاملاً للمعنى. ثم إن الفارق بينهما في الزمن: هناك {كَانُوا} للماضي المنقضي، وهنا {الْيَوْمَ} للحاضر المستقر؛ فما كان صار ماضياً، وما هو كائن صار حاضراً باقياً.