يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ
هذه الآية تصوير لمشهد اليوم العظيم؛ فالمعنى: يوم يقوم الخلق جميعاً من قبورهم لحساب رب العالمين ولأمره وقضائه، قياماً فيه ذل وخضوع وانتظار. وقد ثبت في تفسير هذه الآية حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ في شأن قيام الناس ذلك اليوم وبلوغ الرشح منهم مبلغاً عظيماً حتى يغيب أحدهم فيه إلى أنصاف أذنيه؛ أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عند تفسير سورة المطففين، وفي كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها. وذكر ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» عند تفسير هذه الآية هذا الحديث وبيّن أن طول القيام في ذلك اليوم من أعظم أهواله. وأشار ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية إلى أن اختيار وصف الربوبية العامة {رَبِّ الْعَالَمِينَ} في هذا المقام مقصود؛ لأن المقام مقام استيفاء الحقوق بين الخلائق، فناسب أن يُذكر الحاكم بوصف يشمل الخصمين معاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بلغ التدرج هنا غايته؛ فبعد الإخبار بالبعث ووصف اليوم جاء المشهد نفسه ماثلاً للعين. ووقع هذا المشهد خاتمة للمقطع الأول ختاماً محكماً؛ إذ رُدّت قضية المكيال إلى موقف يقف فيه البائع والمشتري صفاً واحداً بين يدي رب واحد؛ فلا مكيال يومئذ ولا ميزان بيد أحد منهم، وإنما الميزان بيد من لا يظلم مثقال ذرة. ثم إن هذه الآية تمهيد لما يليها من ذكر الديوانين؛ فإن القيام للحساب يستدعي كتاباً يُعرض، فجاء بعدها مباشرة: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}؛ فانتقل النظم من الموقف إلى السجل انتقالاً لازماً.