هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ
ختمت السورة بهذا الاستفهام التقريري التهكمي. والمعنى: هل جُوزي الكفار بما كانوا يفعلون من الاستهزاء والتكذيب والتطفيف؟ نعم قد جُوزوا. و{ثُوِّبَ} من «الثواب»، وأصله في اللسان الجزاء على العمل؛ وغلب استعماله في الجزاء الحسن؛ فاستُعمل هنا في العقوبة على سبيل التهكم. وذكر الطبري في «جامع البيان» عند تفسير هذه الآية أن معناه: هل جُوزي الكفار بما كانوا يعملون في الدنيا. وقرر الزمخشري في «الكشاف» عند تفسير هذه الآية أن في اختيار لفظ «التثويب» تهكماً بالغاً؛ إذ سُمي عقابهم ثواباً. وقرر السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» عند تفسير هذه الآية أن الاستفهام هنا تقريري يُراد به تقرير وقوع الجزاء وإشهاد الخلق عليه، لا طلب الخبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ختمت السورة بهذا السؤال ختاماً يجمع أطرافها كلها؛ فقد بدأت بـ {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} وهو إعلان جزاء، وختمت بـ {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ} وهو تقرير لوقوع الجزاء؛ فبين المطلع والختام دورة كاملة: وعيد أُعلن في الأول، وتحقق أُقرّ في الآخر. ثم إن ذكر «ما كانوا يفعلون» يعيد إلى الذهن كل ما تقدم في السورة من أفعالهم: التطفيف، والتكذيب، وقولهم أساطير الأولين، والضحك، والغمز، والتفكه، ورمي المؤمنين بالضلال؛ فجمعت الكلمة الواحدة ما تفرق في ست وثلاثين آية. وفي ختم السورة بالاستفهام دون الخبر معنى دقيق: أن الجواب مشهود لا يحتاج إلى نطق؛ فالسامع هو الذي يجيب في نفسه؛ وهذا أبلغ من التصريح.