وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ
هذا استفهام سيق للتفخيم والتهويل؛ والمعنى: وأي شيء أعلمك يا محمد ما سجين؟ أي: إن شأنه أعظم من أن تبلغه المعارف المعتادة. وهذا الأسلوب مطرد في القرآن في مقام تعظيم المذكور؛ وقد قرر أهل التفسير قاعدة في هذا الباب: أن ما جاء بلفظ {وَمَا أَدْرَاكَ} فقد أعلمه الله إياه وبيّنه بعده، وما جاء بلفظ «وما يدريك» فهو مما استأثر الله بعلمه. وهذه الآية من الأول؛ ولذلك جاء بعدها البيان: {كِتَابٌ مَّرْقُومٌ}. وذكر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» عند تفسير هذه الآية هذه القاعدة ونسبها إلى أهل المعاني. وأشار ابن عاشور في «التحرير والتنوير» عند تفسير هذه الآية إلى أن الاستفهام هنا مستعمل في التهويل مع تشويق النفس إلى الجواب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اعترضت هذه الآية بين ذكر سجين وبين تفسيره؛ وهذا الاعتراض مقصود في النظم: فإن تأخير البيان بعد إثارة السؤال يشد انتباه السامع ويجعل الجواب أوقع في نفسه. ولو قيل ابتداءً: «إن كتاب الفجار في سجين كتاب مرقوم» لاستوى الخبر في السمع؛ فلما فُصل بينهما بالاستفهام التفخيمي صار البيان بعده كالمنتظر المطلوب. ويقابل هذه الآية في المقطع الثالث قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}؛ فجرى بناء الشطرين على وتيرة واحدة في التقرير والتفخيم والبيان؛ وهو من إحكام المعمار الذي قامت عليه السورة.