إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ
إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ
افتتح الله تعالى السورة بظرف الاستقبال {إِذَا} مضافاً إلى حدث كوني هائل هو انشقاق السماء؛ والمعنى عند أئمة التفسير من السلف: إذا تصدّعت السماء وتفطّرت وتفرّقت أجزاؤها بعد التئامها وإحكامها، وذلك عند قيام الساعة وانفراط نظام هذا العالم. وهذا المشهد جاء في القرآن على وجوه متعددة يفسر بعضها بعضاً: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ}، و{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ}، و{فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ}؛ فالانشقاق والانفطار والتشقق ألفاظ متقاربة تدل كلها على انتقاض بنيان السماء المحكم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن الانشقاق هنا مقدمة لنزول الملائكة ولانكشاف الغطاء بين الخلق وربهم. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير أول السورة أن هذه الأمور الكونية كلها كائنة يوم القيامة، وأن جواب {إِذَا} محذوف تقديره: إذا كان ذلك كان كيت وكيت، بدلالة ما ذكر بعده من الملاقاة والحساب. وقد ثبت في السنة أن هذه السورة مما سجد فيه النبي ﷺ؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} و{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اقتضت حكمة الافتتاح أن يُبدأ بأعظم الأجرام وأشدها إحكاماً في نظر المخاطبين، وهي السماء؛ لأن مقصود السورة تقرير البعث على قوم أنكروه، وأقرب طريق إلى ذلك أن يُريهم أن ما ظنوه ثابتاً لا يتغير هو نفسه زائل مصدوع. ثم إن مجيء الفعل بصيغة المطاوعة {انشَقَّتْ} لا بصيغة الفعل المتعدي «شقّها» يمهّد لما بعده من الإذن والانقياد؛ فكأن السماء لم تُقسر على الانشقاق قسر المكره، بل قبلته قبول المنقاد. وهذا التمهيد هو الذي يجعل خطاب الإنسان في قوله {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ} واقعاً موقعه؛ إذ يُقال له بلسان الحال: هذه السماء على عظمها تنقاد، فما بالك تستكبر.