يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ
يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ
هذه خاتمة السورة، وفيها بيان الخاصة التي بها فارق يوم الدين سائر الأيام. والمعنى: هو يوم لا تقدر فيه نفس على نفع نفس أخرى بشيء ولا دفع ضر عنها، والأمر يومئذ لله وحده لا يشاركه فيه أحد. قال المفسرون: انقطعت يومئذ الأسباب والأنساب والوسائط التي كان الناس يعوّلون عليها في الدنيا. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا}، وقوله: {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}، وقوله: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن نفي الملك هنا مقيّد بما لم يأذن به الله؛ فالشفاعة الثابتة إنما تقع بإذنه، وهي من تمام هذا الأمر لا نقض له. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} أن النبي ﷺ نادى قرابته فقال لكل منهم: «أَنْقِذْ نَفْسَكَ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»؛ وهو بيان عملي لمضمون هذه الآية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتمت السورة بأدق ما يمكن أن يُختم به مقام إثبات الجزاء؛ فبعد التعظيم المكرر جاء البيان بخاصة واحدة لا بتعريف جامع. ووجه الاقتصار عليها أنها هي موضع الحاجة في خطاب المشركين؛ إذ كانوا يعوّلون على آلهتهم وسادتهم وأنسابهم؛ فقُطعت هذه الأسباب كلها بجملة واحدة. ثم إن ختم السورة بانفراد الله بالأمر مناسب لافتتاحها؛ فقد بدأت بانتقاض الكون كله بأمره، فناسب أن تُختم بأن الأمر كله له. وفيها أيضاً مناسبة لأولها في مخاطبة الإنسان؛ فالذي وُبّخ على اغتراره أول السورة يُقال له في آخرها: لا ناصر لك يومئذ سوى عملك.