قال الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٣٥)جامع البيانالطبري٢١/٣٥: "يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم، الذين بروا والديهم، وقالوا حين بلغوا أربعين سنة ما أخبر الله عنهم، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا من طاعتنا في الدنيا، ونتجاوز عن سيئاتهم فلا نعاقبهم عليها، كائنين في جملة أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا في الدنيا يوعدونه على ألسنة الرسل، وحق على الله إنجاز وعده".
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم في رواية: {يُتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنُ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ} بالياء وبناء الفعلين لما لم يسم فاعله، وقرأ الجمهور: {نَتَقَبَّلُ} و{نَتَجَاوَزُ} بنون العظمة، والمعنى واحد في دلالة الفيض والرحمة الإلهية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ}: جار ومجرور في محل نصب حال؛ أي كائنين ومعدودين في زمرة أصحاب الجنة.
{وَعْدَ الصِّدْقِ}: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره "وعدهم الله وعد الصدق"، وهو مضاف ومضاف إليه.
{الَّذِي}: نعت لوعد.
{كَانُوا يُوعَدُونَ}: صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص جاء جواباً مباشراً لدعاء العبد الصالح في الآية السابقة: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ}؛ فبين الله أنه رضي عمله وتقبله، وتجاوز عن زلته، وأدخله الجنة مع الصالحين، وأنجز له وعد الصدق الذي لا يخلف.
اقتران قبول الأحسن بالتجاوز عن السيئات يمثل جوهر الرحمة والفضل الإلهي؛ فالعبد مهما اجتهد يقع في التقصير، فكان التجاوز هو طوق النجاة الحاسم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معنى قبول "أحسن ما عملوا": هل يُهمل الحسن والمباح؟:
المحاكمة والبيان: التعبير بأحسن ما عملوا ليس لإسقاط ما دونه من الحسنات، بل لبيان أن الله يجازيهم على كل أعمالهم الصالحة بأعلى مقاييس الفضل؛ فيرفع القليل إلى مرتبة الكثير، ويثيب على الحسن ثواب الأحسن، كما قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وهذا من كرم الله المحض؛ إذ يقابل أدنى عمل صالح بأعظم جزاء، ويقابل السيئة بالعفو والتجاوز التام.
إضافة الوعد إلى الصدق {وَعْدَ الصِّدْقِ}: إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة في ثبوته ويقينيته؛ فوعد الله هو الصدق الذي لا يدانيه شك ولا يعتريه خلف.
الاحتواء والتكريم في قوله {فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ}: إشعار بأنهم ليسوا مجرد داخلين إليها، بل هم أعضاء مكرمون في موكب أهل النعيم وسادات أهل الجنان.
اللمحة الإشارية: إخلاص النية في الشكر وبر الوالدين يستجلب محو الخطايا ورضا رب البرايا، ويجعل العبد في أمان تام من تقلبات الحساب يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: فتح آفاق الرجاء وحسن الظن بالله للمجتهدين في الطاعات؛ فالله شكور يقبل اليسير ويعفو عن الكثير.
الأثر الوجداني: راحة القلب وطمأنينة النفس بالاستناد إلى وعد الله الحق: {وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}، فلا يضيع عند الله مثقال ذرة من خير.