قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٦٣)جامع البيانالطبري٢١/٦٣: "يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء النفر من الجن حين رجعوا إلى قومهم: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً وهو القرآن، أنزله الله على محمد من بعد موسى بن عمران، مصدقاً لما بين يديه من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، يهدي هذا الكتاب إلى الحق وهو التوحيد، وإلى طريق مستقيم وهو دين الإسلام وشرائعه الواضحة".
ونقل ابن كثير عن ابن عباس وعطاء: أن الجن هؤلاء كانوا يهوداً فلهذا قالوا: {أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ}، أو لأن شريعة موسى كانت أعظم وأوسع في الأحكام وشريعة عيسى كانت متممة لها وفيها الوعظ، وقيل لأن خبر نزول التوراة ملأ الآفاق وعرفه الجن والإنس فجعلوه ميزاناً للمقارنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يمثل شهادة موضوعية مدهشة من عالم آخر؛ فالجن يربطون فوراً بين نزول القرآن وميراث موسى عليه السلام، ويلتقي قولهم هنا بقول الله تعالى المتقدم في الآية (١٢): {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا}؛ فتوافقت شهادة عالم الجن مع حقائق التنزيل الإلهي بغير تواطؤ، مما يؤكد نورانية المصدر.
الجمع البديع في وصف القرآن: {يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} في العقائد والغيبيات، {وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} في المعاملات والسلوك والشرائع؛ فاستوعب شطري الدين علماً وعملاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تخصيص موسى دون عيسى في قولهم "من بعد موسى":
المحاكمة والبيان: التوراة كانت الكتاب التشريعي الأكبر لأهل الكتاب، والإنجيل كان متمماً لها وداعياً لمكارم الأخلاق، والجن على دراية بالتسلسل التاريخي العظيم؛ فذكروا الأصل التشريعي الأكبر وهو التوراة، وقيل كان هؤلاء النفر على بقايا دين موسى فعرفوا صدق القرآن بمقارنته بالتوراة.
وهذا يدل على سعة اطلاعهم وعمق محاكمتهم المنطقية عند قبول الرسالة.