قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، تذكير حاسم لأهل مكة بمصارع الأمم والبلاد المجاورة لهم في جزيرة العرب والشام، وبيان أن الله نوع لهم الدلائل والمواعظ ليتوبوا ويرجعوا عن غيهم.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٥٧)جامع البيانالطبري٢١/٥٧: "يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: ولقد أهلكنا يا معشر قريش ما حولكم من بلاد الأمم الكافرة برسلها حين كذبوا؛ كعاد قوم هود بالأحقاف في بلاد اليمن، وثمود قوم صالح بالحجر في طريق الشام، وقوم لوط بسدوم على طريقكم، وغيرهم من الأمم القريبة منكم، وكررنا ونوعنا لهم الحجج والآيات وأسباب المواعظ ليرجعوا عن كفرهم إلى توحيد الله، فلم يرجعوا حتى أخذهم العذاب".
وقال ابن كثير: "أي أهلكنا الأمم المكذبة المجاورة لجزيرة العرب، وصرفنا لهم الآيات؛ أي بيناها ونوعناها وأوضحناها لعلهم يتوبون وينيبون، فاستمروا على كفرهم فأهلكوا، فأنتم أولى بالهلاك إن لم ترجعوا".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَرْجِعُونَ}: يرجعون عن الشرك والتكذيب إلى التوحيد والإيمان.
التوجيه الإعرابي:
{وَلَقَدْ}: الواو قسمية استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{أَهْلَكْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لأهلكنا.
{حَوْلَكُم}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والكاف مضاف إليه.
{مِّنَ الْقُرَىٰ}: جار ومجرور في محل نصب حال من ما أو بيان لها.
{وَصَرَّفْنَا}: معطوف على أهلكنا، صرفنا فعل وفاعل.
{الْآيَاتِ}: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لَعَلَّهُمْ}: لعل حرف ترج ونصب، والهاء اسمها.
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة يرجعون في محل رفع خبر لعل، والجملة تعليلية لمقصد التصريف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يوسع دائرة الاعتبار الجغرافي؛ بعد أن خصص بالذكر عاداً بالأحقاف، عمم هنا بذكر كل الأمم المجاورة لبلاد العرب (ثمود، قوم لوط، مدين)؛ ليحاصر عقول قريش بشواهد التاريخ المادية التي يمرون عليها في رحلاتهم الصيفية والشتوية: رحلة الشتاء إلى اليمن (عاد) ورحلة الصيف إلى الشام (ثمود وقوم لوط).
الجمع البديع بين "تصريف الآيات" و"الإهلاك"؛ لبيان أن العقوبة لم تفاجئهم ظلماً، بل سبقتها المواعظ المتنوعة والنذر المتكررة لإعذارهم وإنذارهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مفاجأة العذاب بغير تمهيد أو إعذار:
دحض الشبهة بالمحاكمة القرآنية: قوله {وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ} يبرهن على سعة الرحمة والحكمة الإلهية؛ فالله لم يعاجلهم بالعقوبة، بل نوّع لهم البراهين، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، وتارة بآيات الآفاق وتارة بالنذر الرسالية، ولم ينزل العذاب إلا بعد أن سدوا كل أبواب الرجوع وأصروا على الباطل مستكبرين.
حكمة تصريف الآيات هي {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}؛ فمقصود الوحي هو هداية البشر لا إهلاكهم، والإهلاك إنما يقع حداً وقطعاً للفساد بعد انعدام قابلية الرجوع.