قوله تعالى: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، دعوة صريحة جازمة من مؤمني الجن لقومهم بالاستجابة لمحمد صلى الله عليه وسلم، مع بيان الأرباح الأخروية العظمى: مغفرة الخطايا والوقاية من النار.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٦٤)جامع البيانالطبري٢١/٦٤: "يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل هؤلاء الجن لقومهم: يا قومنا استجيبوا لرسول الله محمد الذي يدعوكم إلى توحيد ربه وطاعته، وصدقوا به وبما جاءكم به من عند الله، يغفر لكم ربكم من ذنوبكم السالفة، ويجركم وينقذكم من عذاب أليم موجع في جهنم".
ونقل ابن كثير أن قوله: {مِّن ذُنُوبِكُمْ}: قال بعضهم "مِن" هنا لتبعيض الذنوب، والمراد يغفر لكم ذنوبكم المتعلقة بحقوق الله دون حقوق الخلق، وقيل هي زائدة لتأكيد المغفرة، والراجح عند المحققين أنها تفيد ابتداء الغاية واستغراق مغفرة كل ذنب كفروا به قبل إسلامهم؛ فإن الإسلام يهدم ما كان قبله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{دَاعِيَ اللَّهِ}: الداعي هو المنادي الذي يدعو الخلق إلى ربه، والمراد هنا محمد صلى الله عليه وسلم، أو القرآن والمنادي للإيمان.
{يَغْفِرْ}: الغفر الستر والوقاية وإسقاط العقوبة ومحو أثر الذنب.
{يُجِرْكُم}: من الإجارة، وهي الحماية والإنقاذ والإغاثة من المكروه والشر.
التوجيه الإعرابي:
{يَا قَوْمَنَا}: نداء مضاف.
{أَجِيبُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{دَاعِيَ اللَّهِ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، والاسم الجليل مضاف إليه.
{وَآمِنُوا بِهِ}: معطوف على أجيبوا، فعل وفاعل وجار ومجرور.
{يَغْفِرْ}: فعل مضارع مجزوم في جواب الطلب (أجيبوا) وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
{لَكُم}: متعلقان بيغفر.
{مِّن ذُنُوبِكُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه في محل نصب مفعول به أو متعلقان بيغفر.
{وَيُجِرْكُم}: معطوف على يغفر مجزوم بالسكون، والكاف مفعول به والميم للجمع، والفاعل مستتر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النداء الثاني {يَا قَوْمَنَا} يمثل الانتقال من مرحلة الإخبار بالقرآن (في الآية السابقة) إلى مرحلة المطالبة باتخاذ القرار والموقف الإيماني العملي: {أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ}.
ترتيب النتائج ترغيباً وإشفاقاً: بدأ بالتخلية وهي محو أوزار الماضي {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}، ثم بالتحلية والأمان المستقبلي وهو النجاة من العذاب الأليم {وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عموم مغفرة الذنوب للجن ودخولهم الجنة:
المحاكمة والتحقيق العقدي: ذهب جماهير أهل السنة والجماعة والمحققون (كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن عباس) إلى أن مؤمني الجن يدخلون الجنة ويثابون على طاعاتهم كما يعاقب كفارهم في النار، مستدلين بصريح هذه الآية: {يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}، وبقوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}؛ فالجزاء مشترك بين الثقلين بمقتضى التكليف العادل.
إضافة الرسول إلى الله تشريفاً وتفخيماً {دَاعِيَ اللَّهِ}: دلالة على عظم هذا الداعي وعصمة دعوته؛ فهو لا يدعو لنفسه ولا لملك دنيوي، وإنما يدعو باسم الإله العظيم وكيلاً عن وحيه.
الإيجاز البليغ في جواب الطلب: جمع خيري الدنيا والآخرة في كلمتين: مغفرة الذنوب والنجاة من العذاب، وهما أعظم ما تطمح إليه النفوس الحية.
اللمحة التدبرية: داعي الله ينادي في كل حين عبر آيات القرآن والنداء إلى الصلوات، فالموفق من أجاب نداء ربه مسرعاً ونال المغفرة، والمحروم من صم أذنيه وتولى وهو مستكبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: وضوح العرض الدعوي وربطه بالمغريات الإيمانية المشروعة من غفران الذنوب والنجاة من العقاب؛ لتحريك دافعية المخاطبين.
الأثر العملي والوجداني: سرعة الإجابة والانقياد لكل أمر شرعي؛ فإجابة داعي الله دليل الإيمان وسبب السلامة من عذاب يوم القيامة.