قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، ميثاق الأمان الإلهي والسعادة الأبدية لمن جمع بين صحة العقيدة وثبات العمل الصالح.
روى الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٢٩)جامع البيانالطبري٢١/٢٩ بإسناده عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا}، فقال: "لم يشركوا بالله شيئاً، ولم يلتفتوا إلى إله غيره".
وروى ابن كثير ومسلم في صحيحه عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم".
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال على المنبر: "استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب".
وعن ابن عباس والحسن وقتادة: استقاموا على أداء الفرائض واجتناب المحارم حتى لقوا الله عز وجل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{اسْتَقَامُوا}: الاستقامة مشتقة من القيام والاعتدال، وهي لزوم الصراط المستقيم وملازمة الطاعة بلا ميل ولا عوج.
{خَوْفٌ}: توقع مكروه محتمل في المستقبل يورث اضطراب النفس.
{يَحْزَنُونَ}: الحزن هو الألم والغم الحاصل على فوات محبوب في الماضي.
التوجيه الإعرابي:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب المبتدأ ويرفع الخبر.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إن.
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها من الإعراب.
{رَبُّنَا اللَّهُ}: مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول في محل نصب.
{ثُمَّ اسْتَقَامُوا}: (ثم) حرف عطف يقتضي الترتيب والتراخي، واستقاموا فعل وفاعل معطوف على قالوا.
{فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: الفاء داخلة في خبر إن لشبه الموصول بالشرط، و(لا) نافية للجنس تعمل عمل ليس أو مهملة، وخوف مبتدأ مرفوع، وعليهم جار ومجرور خبر.
{وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}: الواو عاطفة، (لا) نافية، (هم) مبتدأ، وجملة يحزنون خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن ذكر في الآية السابقة بشارة المحسنين: {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ}، جاءت هذه الآية لتبين تفصيل المحسنين ومآلهم الآمن في الدنيا والآخرة.
التعبير بـ {ثُمَّ} المفيدة للتراخي الزمني؛ للإشارة إلى أن الاستقامة ليست مجرد كلمة عابرة أو حماس مؤقت، بل هي استدامة وثبات على الطاعة والتوحيد على امتداد سني العمر وتقلبات الأحوال حتى الوفاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كفاية القول باللسان دون الاستقامة والعمل:
المحاكمة العقلية والشرعية: الجمع بين القول {قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} والعمل المستمر {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} يدحض أوهام المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان مجرد تصديق ذهني أو نطق لساني لا يضره فسوق ولا معصية.
الاستقامة هي الثمرة العملية الضرورية لصدق العقيدة؛ فمن أقر بأن الله ربه وخالقه استحال في ميزان العقل أن يعصي أمره ويتبع أهواء الشياطين ويزعم مع ذلك كمال الإيمان.
نفي الخوف والحزن في نسق محكم: نفي الخوف يؤمن مستقبلهم في البرزخ ويوم القيامة، ونفي الحزن يسلي قلوبهم عما فاتهم وترفعت عنه نفوسهم من متاع الدنيا؛ فحازوا الأمن التام في الماضي والمستقبل.
التعبير بالجملة الاسمية والفعلية: جمع بين الاسمية في {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} للدلالة على ثبوت الأمان واستقراره، وبين الفعلية في {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} لإفادة تجدد نفي الحزن في كل موطن من مواطن الفزع الأكبر.
اللمحة الإشارية التدبرية: الاستقامة كالشجرة الطيبة؛ أصلها الاعتراف بربوبية الله، وفرعها في السماء بالثبات على أمره، وثمرتها الأمن المطلق والسكينة التي تنزل على قلوب الصادقين عند الاحتضار ويوم البعث.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تثبيت المؤمنين والمبتلين في طريق الدعوة بالبشارة بالأمن الإلهي ورفع المخاوف والأحزان عنهم.
الأثر العملي والوجداني: محاسبة النفس يومياً على مقتضى الاستقامة؛ فالاستقامة عزيمة جهادية تتطلب دوام المراقبة والاستغفار وسداد القصد والاعتدال دون إفراط أو تفريط.