قوله تعالى: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}، يكشف الله فيه عن المشهد الأخروي المروع الذي تتبدد فيه كل آمال المشركين، حيث تنقلب معبوداتهم أعداء يلعن بعضهم بعضاً ويجحدون عبادتهم لهم.
أخرج الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٧)جامع البيانالطبري٢١/١٧ عن قتادة ومجاهد: "كانت تلك الآلهة والأصنام والملائكة والأنبياء الذين عُبدوا من دون الله أعداءً لعابديهم يوم القيامة يتبرؤون منهم، ويقولون: ما كنتم إيانا تعبدون، كما قال تعالى: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ}".
وقال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، مجلد ٧، صفحة ٢٧٤)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٧٤: "أي يجحدون عبادتهم، كما قال إبراهيم الخليل: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا}، فينقلب الرجاء خيبة والمودة عداوة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{حُشِرَ}: الحشر هو الجمع والسوق من كل أوب ومكان إلى صعيد الحساب.
{أَعْدَاءً}: جمع عدو، وهو المبغض الذي يسعى في مساءتك وضرك وإلزامك الحجة بالسوء.
{كَافِرِينَ}: جاحدين ومنكرين ومتبرئين من تلك العبادة التي دُعيت لهم.
التوجيه الإعرابي:
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، (إذا) ظرف زمان للمستقبل متضمن معنى الشرط مبني في محل نصب.
{حُشِرَ}: فعل ماض مبني لما لم يُسم فاعله (مبني للمجهول).
{النَّاسُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة الفعل ونائب الفاعل في محل جر مضاف إليه لإذا.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ {أَعْدَاءً}.
{أَعْدَاءً}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وجملة كانوا جواب الشرط لا محل لها من الإعراب.
{وَكَانُوا}: الواو عاطفة، وكان واسمها.
{بِعِبَادَتِهِمْ}: متعلقان بـ {كَافِرِينَ}.
{كَافِرِينَ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتبطت هذه الآية بالتي قبلها أدق ارتباط؛ ففي الدنيا كان المعبود غافلاً عاجزاً عن الإجابة: {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}، وفي الآخرة عند الحشر ينطق المعبود بالعداوة والتبري التام: {كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}؛ فتكامل الخذلان في الدارين.
النقلة من مشهد الدنيا إلى مشهد القيامة في سياق المناظرة تزلزل وجدان المشرك؛ ليوقن أن نتيجة عناده ستكون خيبة مطلقة ولعنة متبادلة في الموقف العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إشكال: كيف تنطق الجمادات والأصنام وتكون أعداء وتكفر بعبادتهم؟:
الوجه الأول: أن الله قادر على إنطاق كل شيء كما قال تعالى: {أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}؛ فينطق الله تلك الحجارة والجمادات لتلعن عابديها وتشهد عليهم بكفرهم وعنادهم إمعاناً في تبكيتهم وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد.
الوجه الثاني: أن المعبودين يشملون الشياطين والجن الذين زينوا لهم العبادة، والملائكة والصالحين كعيسى وعزير، وهؤلاء جميعاً يتبرؤون من عابديهم ويجحدون عبادتهم ويعادونهم أشد العداوة.
المفارقة التراجيدية العظمى: تحول مودة العبادة في الدنيا والرجاء في الشفاعة إلى كفر وعداوة ولعن في الآخرة، وهذا من أعظم ألوان الخسران النفسي.
إسناد الكفر للمعبودين: في قوله {بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}؛ تجريد للفظ الكفر في معناه اللغوي وهو الجحود والتبري، لمقابلة كفر المشركين بالله في الدنيا بجحود آلهتهم لهم في الآخرة.
اللمحة الإشارية: كل علاقة لا تبنى على تقوى الله ومحبته الخالصة تنقلب في الموقف الأكبر عداوة وبغضاء: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير المعلقين قلوبهم بغير الله من السادة والكبراء أو الرموز الدنيوية بأن كل هؤلاء سيتبرؤون منهم غداً ولن يغنوا عنهم من الله شيئاً.
الأثر الإيماني: توحيد القصد والمحبة لله وحده؛ فالولي الحق هو الله، ومحبته وطاعته هي التي تثبت يوم الفزع الأكبر وتثمر القرب والرضوان.