قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، اللحظة الفاصلة التي تجسد الانقلاب الكوني الرهيب بين فرحتهم الزائفة بسحاب المطر وبين حقيقة العذاب الماحق المحمول في ثنايا تلك الريح.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، تفسير سورة الأحقاف، رقم ٤٨٢٨، ٤٨٢٩) ومسلم في صحيحه (كتاب صلاة الاستسقاء، رقم ٨٩٩)مصدر غير محددحديث رقم ٨٩٩ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة (سحاباً فيه مطر ورعد) في السماء، أقبل وأدبر، ودخل وخرج، وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سُرِّي عنه، فسألته عائشة عن ذلك، فقال: ما يدريني يا عائشة لعلها تكون كما قال قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}".
وذكر الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٤٨-٥٠)جامع البيانالطبري٢١/٤٨ وابن كثير: أن عاداً أصابهم قحط شديد وجفاف، فلما رأوا سحاباً أسود عظيماً مقبلاً في أفق سمائهم مستقبلاً أوديتهم فرحوا واستبشروا وظنوه غيثاً يحيي بلادهم وأنعامهم، فقالوا: هذا عارض ممطرنا، فرد الله عليهم: بل هو ما استعجلتم به من العذاب؛ ريح صرصر عاتية فيها عذاب أليم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{عَارِضًا}: السحاب الذي يعرض في أفق السماء فيسد الأفق كالجبل العظيم الممتد.
{مُّسْتَقْبِلَ}: متجهاً ومقابلاً لمجاري المياه في أوديتهم.
{أَوْدِيَتِهِمْ}: جمع واد، وهو الموضع المنخفض الذي تجري فيه سيول الأمطار وتزرع فيه نباتاتهم.
{مُّمْطِرُنَا}: اسم فاعل من أمطر؛ أي سحاب يفيض علينا بالمطر والخصب.
{رَأَوْهُ}: فعل ماض مبني على الضم المقدر، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول.
{عَارِضًا}: مفعول به ثان لرأى البصرية أو حال منصوبة بالفتحة.
{مُّسْتَقْبِلَ}: نعت لعارضاً منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
{أَوْدِيَتِهِمْ}: مضاف إليه مجرور، والهاء مضاف إليه.
{قَالُوا}: فعل ماض جواب لما لا محل له من الإعراب.
{هَٰذَا}: الها للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مبتدأ.
{عَارِضٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّمْطِرُنَا}: نعت لعارض أو خبر ثان، وهو مضاف و(نا) مضاف إليه.
{بَلْ}: حرف إضراب وإبطال لزعمهم.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ}: (ما) اسم موصول خبر، واستعجلتم فعل وفاعل وبه متعلقان به.
{رِيحٌ}: بدل من (ما) مرفوع بالضمة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هي ريح".
{فِيهَا}: جار ومجرور خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
{أَلِيمٌ}: نعت لعذاب، والجملة الاسمية في محل رفع نعت لريح.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد يمثل ذروة التصوير القرآني للغرور الإنساني حين يواجه القضاء الإلهي؛ فبينما كانت ألسنتهم تتبجح: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}، إذ بالعذاب يقبل عليهم في هيئة سحاب طمعوا فيه ورجوا منه الحياة، فإذا هو يحمل الموت والدمار.
الإضراب بـ {بَلْ} يقطع أوهامهم في لحظة واحدة: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ}، لتبدأ المأساة التي محت حضارة الأحقاف من الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تحول السحاب المغيث إلى أداة دمار وموت:
المحاكمة والبيان: هذا برهان ساطع على طلاقة القدرة الإلهية؛ فالأسباب المادية خاضعة لمسبب الأسباب، والشيء الذي يظنه الإنسان مصدر رزقه وخلاصه قد يجعله الله سبب هلاكه واستئصاله، ليعلم الجاحدون أن الأمان الحق إنما هو في طاعة الله لا في المظاهر المادية الصامتة.
المفارقة التصويرية المذهلة: التناقض الصارخ بين فرحتهم واستبشارهم: {هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا}، وبين الحقيقة الصادمة المقررة بقضاء الله: {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}؛ مما يورث هزة وجدانية بالغة في نفس السامع.
التعبير بـ {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ}: دقة متناهية في رسم اتجاه السحاب نحو مراكز حياتهم ومزارعهم ومستقر أموالهم، ليكون الهلاك في قلب مواطن أمنهم.
اللمحة التدبرية النبوية: وجل النبي صلى الله عليه وسلم عند رؤية السحاب وتغير وجهه شفقاً وخوفاً؛ وهو درس إيماني عظيم في دوام الخشية من مكر الله وتقلبات قدره، وألا يأمن العبد نقمة الله في أي لحظة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير الغافلين بأن النقم قد تأتي في ثياب النعم، وأن الاستدراج الإلهي قد يبدأ بالرخاء الظاهري ليعقبه الأخذ الأليم.
الأثر العملي والوجداني: الاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم عند هبوب الرياح ورؤية السحب بالدعاء المأثور: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به"، والبعد عن الغفلة واللهو عند تقلبات الجو.