قوله تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ}، تقرير لصدق القرآن واستمراره على نفس النور الإلهي الذي نزل على كليم الله موسى عليه السلام.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٢٨)جامع البيانالطبري٢١/٢٨: "يقول تعالى ذكره: ومن قبل هذا القرآن كتاب موسى وهو التوراة أنزله الله على موسى إماماً يُؤتم به في الدين ويُقتدى بأحكامه، ورحمة لمن آمن به من بني إسرائيل، وهذا القرآن كتاب مصدق للكتب التي قبله ومنها كتاب موسى، أنزله الله لساناً عربياً ليعقله العرب ويفهموا حججه، لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، ويكون بشارة بالجنة للمحسنين الذين أطاعوا الله ووحدوه".
ونقل ابن كثير عن قتادة: "كتاب موسى التوراة جعله الله إماماً يقتدون به ورحمة للمؤمنين به، والقرآن مصدق له بلسان عربي مبين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{إِمَامًا}: الإمام هو المتبوع الذي يؤتم به ويقتدى بنهجه وهديه.
{مُّصَدِّقٌ}: اسم فاعل من صدّق؛ أي شاهد بصدق ما سبقه وموافق له في أصول الدين والتوحيد.
{لِّسَانًا}: اللسان يطلق على العضو وعلى اللغة والبيان، والمراد هنا اللغة الفصيحة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينقض دعواهم السابقة {هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} بأقطع برهان تاريخي؛ فإذا قلتم إنه إفك قديم، فماذا تقولون في كتاب موسى (التوراة) الذي تقدمه واعترفت به الأمم وأثبتت إمامته ورحمته؟! والقرآن مصدق له وناطق بنسقه، فثبت بطلان فرية الإفك.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى انقطاع الصلة بين الرسالات:
المحاكمة العقلية: نزول القرآن بلسان عربي مبين مصدقاً للتوراة التي نزلت بالعبرانية يبرهن على أن رب الرسل واحد، وأن جوهر الدين واحد في كل زمان ومكان.
وصف التوراة بـ {إِمَامًا وَرَحْمَةً} ووصف القرآن بأنه {مُّصَدِّقٌ} و{بُشْرَىٰ} يثبت التكامل البنائي للشرائع السماوية؛ فالسابق يمهد للاحق، واللاحق يصدق السابق ويهيمن عليه ويتمم مكارم الأخلاق والتشريعات.
التنكير في قوله {كِتَابٌ}: للتفخيم والتعظيم لشأن القرآن ورفعة مكانته وخلوده.
اللمحة التدبرية الإشارية: جعل التوراة إماماً والقرآن هادياً يوجب على المؤمن أن يجعل الوحي إمامه الذي يتقدمه في كل قرار وحركة وسكون، فمن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة الناس بألسنتهم ولغاتهم، والاعتزاز باللغة العربية لغة القرآن المبين؛ إذ اصطفاها الله لحمل رسالته الخاتمة لبيانها ودقتها وسعتها.
الأثر التربوي: التزام مقام الإحسان في العمل؛ لأن البشارة الإلهية مشروطة بوصف المحسنين: {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ}.