قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٦٧)جامع البيانالطبري٢١/٦٧: "يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد يوم يُدفع هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث إلى جهنم فيعرضون على النار وتلفح وجوههم، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: أليس هذا العذاب الذي تشاهدونه الآن بالحق الذي جاءتكم به الرسل فكذبتم به؟! قالوا حين لا ينفعهم القيل ولا ينجيهم الاعتراف: بلى وربنا إنه لحق، قال الله تعالى لهم: فذوقوا العذاب اليوم بما كنتم في الدنيا تكفرون وتجحدون".
وقال ابن كثير: "أي يقرعون ويوبخون في ذلك الموقف الرهيب، فيعترفون على أنفسهم بملء أفواههم حيث لا ينفع الاعتراف: بلى وربنا، فيقال لهم: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{يُعْرَضُ}: العرض الإبراز والمباشرة للصلي والإحراق.
{بَلَىٰ}: حرف جواب لإبطال النفي وتقرير الحق المتيقن.
{فَذُوقُوا}: الذوق هنا الإحساس المباشر بالألم والحريق في أجسادهم.
التوجيه الإعرابي:
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، يوم ظرف زمان متعلق بمحذوف تقديره "اذكر يوم" أو "يقال لهم يوم".
{يُعْرَضُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: نائب فاعل في محل رفع، وصلته.
{عَلَى النَّارِ}: متعلقان بيُعرض.
{أَلَيْسَ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، وليس فعل ماض ناقص.
{هَٰذَا}: اسم إشارة مبني في محل رفع اسم ليس.
{بِالْحَقِّ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي أو التقرير، والحق مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ليس، والجملة مقول قول محذوف.
{قَالُوا}: فعل وفاعل.
{بَلَىٰ}: حرف إيجاب وجواب.
{وَرَبِّنَا}: الواو حرف قسم وجر، ربنا مجرور بالكسرة و(نا) مضاف إليه، وجملة القسم وما في حيزها مقول قولهم تأكيداً لاعترافهم.
{قَالَ}: فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الله تعالى.
{فَذُوقُوا}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، ذوقوا فعل أمر والواو فاعل.
{الْعَذَابَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{بِمَا كُنتُمْ}: الباء سببية، و(ما) مصدرية، وكنتم كان واسمها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد هو المقابلة الصادمة للآية (٢٠) من السورة: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}؛ فتكرر مشهد العرض على النار مرتين في السورة: المرة الأولى لتوبيخهم على الانغماس الدنيوي والاستكبار، وهذه المرة الثانية لإلزامهم وإرغامهم على الاعتراف بالحق الذي كانوا يصفونه في الدنيا بأنه {سِحْرٌ مُّبِينٌ} و{إِفْكٌ قَدِيمٌ}.
التدرج من الشك والتكذيب في الدنيا إلى الإقرار الحاسم المقترن بالقسم العظيم في الآخرة: {قَالُوا بَلَىٰ وَرَبِّنَا}؛ ولكن هيهات، فقد سقط وقت الاختيار وبدأ أوان العقاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم قبول التوبة والاعتراف بالحق يوم القيامة:
المحاكمة والبيان: الإيمان المعتبر شرعاً وعقلاً هو الإيمان بالغيب في دار التكليف والابتلاء؛ فإذا انكشف الغطاء وعاين الإنسان العذاب زال التكليف وصار الإيمان اضطرارياً كإيمان فرعون حين أدركه الغرق، فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
ومن ثم كان إقرارهم وقسمهم هناك حجة عليهم وإمعاناً في حسرتهم وندامتهم الأبدية.
تأكيد اعترافهم بالقسم {بَلَىٰ وَرَبِّنَا}: اعتراف مذل مقترن بربوبية من كفروا به، يقطع كل عذر ويبرهن على زوال كل شبهة.
اللمحة التدبرية: كل من كابر اليوم وتفلسف بإنكار الحق، سيقف غداً بين يدي الجبار مقراً مقسماً على صدق ما جاءت به الرسل، فيا خيبة من لا يعترف بالحق إلا حين لا ينفعه الاعتراف!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تذكير المعاندين بلحظة الحقيقة الصادمة التي ستزول عندها كل رياساتهم ومكابراتهم ولن يملكون إلا الإقرار المذل.
الأثر العملي والوجداني: المبادرة بالاعتراف بالحق والانقياد له طواعية في الدنيا، وسؤال الله الثبات على دينه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.