قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}، جواب هود عليه السلام النبوي الرصين المؤصل بتقرير التوحيد والأدب مع الله تعالى وتحديد حدود وظيفته الرسالية.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٤٧)جامع البيانالطبري٢١/٤٧: "يقول تعالى: قال هود لقومه حين استعجلوه بالعذاب: إنما العلم بوقت نزول العذاب عند الله وحده، ليس ذلك إلي ولا بيدي فأعجله لكم، وإنما أنا عبد رسول أبلغكم ما أرسلني به ربي من الرسالة والإنذار، ولكني أراكم قوماً تجهلون قدر الله وعظمته وتستعجلون نقمته ولا تتدبرون العواقب".
وذكر ابن كثير: "رد عليهم بما يليق بمقام النبوة: أن وقت مجيء العذاب غيب لا يعلمه إلا الله، ووظيفتي البلاغ، ولكن جهلكم وسفاهتكم هي التي تدفعكم إلى هذا التعنت القبيح".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{إِنَّمَا}: أداة حصر مركبة من إن المكفوفة وما الكافة تفيد قصر العلم على الله تعالى.
{أُبَلِّغُكُم}: التبليغ الإيصال التام للرسالة من غير زيادة ولا نقصان.
{تَجْهَلُونَ}: الجهل ضد العلم، أو ضد الحلم، وهو ارتكاب ما لا ينبغي لعدم مراعاة العقل والحكمة.
التوجيه الإعرابي:
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر.
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة أداة حصر.
{الْعِلْمُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عِندَ اللَّهِ}: ظرف مكان ومضاف إليه شبه جملة خبر المبتدأ، والجملة مقول القول.
{وَأُبَلِّغُكُم}: الواو عاطفة، أبلغ فعل مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والكاف مفعول به أول والميم للجمع.
{مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ}: (ما) اسم موصول مفعول به ثان، وجملة أرسلت صلته، وبه متعلقان بأرسلت.
{وَلَٰكِنِّي}: الواو عاطفة أو حالية، لكن حرف استدراك ونصب والياء اسمها.
{أَرَاكُمْ}: فعل مضارع والفاعل مستتر والكاف مفعول به أول.
{قَوْمًا}: مفعول به ثان لأرى القلبية منصوب بالفتحة.
{تَجْهَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة تجهلون نعت لـ قوماً، وجملة أراكم خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يمثل هذا الرد نموذجاً فذاً في المنهج النبوي: حسم النزاع بإعادة الأمور إلى نصابها؛ فهم طالبوه بإنزال العذاب كأنه إله قاهر، فأخبرهم بأدب العبودية أن هذا من شأن الإله وحده: {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ}، ونفى عن نفسه أي تحكم في مواقيت الغيب.
الاستدراك بـ {وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} يكشف العلة الجوهرية لاستعجالهم، وهو الجهل المركب بحقائق الألوهية ومقتضيات الرسالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عجز النبي لعدم إجابته لطلب العذاب الفوري:
المحاكمة العقلية: عدم إيقاع العذاب في التو واللحظة ليس دليلاً على عجز الداعي أو كذب الرسالة، وإنما هو خضوع للتدبير والحكمة الإلهية في تأجيل العقاب إلى أجله المقدر.
الرسول مبلغ لا حاكم مستبد بالكون، والتفريق بين مقام الخالق المالك ومقام الرسول المبلغ هو قمة التوحيد وتنزيه الذات الإلهية.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنَّمَا}: حصر علم مواقيت العذاب ومقادير الغيب في جناب الله تعالى، وهو أدب نبوي سامٍ في تفويض الأمور لخالقها.
التعبير بلفظ {قَوْمًا}: إشعار بأن الجهل صار صفة ملازمة لجمعهم وبيئتهم التي توارثت العناد وتآمرت على الباطل.
اللمحة التدبرية الإشارية: شجاعة الاعتراف بحدود الدور البشري؛ فالداعية الصادق لا يتقمص أدواراً خارقة ولا يوهم الناس بامتلاك أسرار الغيب، بل يعلن بتواضع وثقة: وظيفتي البلاغ المبين، والأمر كله لله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التركيز على مهمة التبليغ والنصيحة دون الانشغال بردود أفعال المعاندين المستفزة أو الانجرار وراء طلباتهم التعجيزية.
الأثر التربوي: التخلص من صفات الجهل والاندفاع، والتأدب التام مع أقدار الله وتفويض علم الغيب لعلام الغيوب سبحانه.