قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}، تقريع مخزٍ وتوبيخ شديد للكافرين حين يدفعون إلى النار وقد أضاعوا أعمارهم في الملذات الفانية والاستكبار والفسق.
روى الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٤٠-٤٢)جامع البيانالطبري٢١/٤٠ عن قتادة: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا: قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً، وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة، وتلا هذه الآية".
وأخرج الإمام أحمد في المسند والشيخان في الصحيحين مواقف كثيرة لسيدنا عمر بن الخطاب والتابعين كانوا يخشون فيها من التوسع في الملذات والشهوات؛ مخافة أن يكون ذلك من استنفاد الطيبات المعجلة في الدنيا.
وقال ابن كثير: "هذا تقريع من الله تعالى للكافرين وتوبيخ، حين يعرضون على النار لتصلاهم ويقال لهم توبيخاً: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، أي نلتم حظكم من الشهوات واللذائذ وأعرضتم عن الإيمان والعمل الصالح، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{يُعْرَضُ}: العرض هنا الإبراز والإحضار والقذف في جهنم لتشاهدهم ويشاهدوها عياناً.
{طَيِّبَاتِكُمْ}: الطيبات جمع طيبة، وهي اللذائذ المستطابة من المطاعم والمشارب والمناكح والرياسات الدنيوية.
{الْهُونِ}: بضم الهاء، الهوان والذل والخزي المقيم، مقابل الاستكبار.
{تَفْسُقُونَ}: الفسق الخروج عن طاعة الله ومفارقة أمر الشريعة.
التوجيه الإعرابي:
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، يوم ظرف زمان متعلق بفعل محذوف تقديره "اذكر يوم" أو يقال لهم يوم.
{يُعْرَضُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: اسم موصول في محل رفع نائب فاعل، وجملة كفروا صلته.
{عَلَى النَّارِ}: متعلقان بيُعرض.
{أَذْهَبْتُمْ}: فعل وفاعل، والتاء فاعل والميم علامة الجمع، والجملة في محل نصب مقول قول محذوف؛ أي يقال لهم أذهبتم.
{طَيِّبَاتِكُمْ}: مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف مضاف إليه.
{بِغَيْرِ الْحَقِّ}: حال من الفاعل؛ أي مستكبرين باطلاً.
{وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ}: معطوف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد المهيب هو التطبيق العياني لدركات العذاب؛ فبعد أن قرر أن لكل درجات، صوّر هنا قمة الهوان التي تهوي إليها أقدام المستكبرين حين يرمون في النار.
المقابلة النظمية الفائقة بين الجرم والجزاء: لما استكبروا في الأرض بغير الحق جُوزوا بـ {عَذَابَ الْهُونِ}؛ فالجزاء من جنس العمل، ولما انغمسوا في اللذات مع الفسق عُوقبوا بالحرمان الأبدي والعذاب السرمدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تحريم الطيبات والملاذ الدنيوية على المؤمنين بالاحتجاج بهذه الآية:
المحاكمة والتحقيق الأصولي: الآية نزلت أصالة في الكافرين الذين قصروا همتهم على الدنيا وجعلوها غايتهم القصوى فاستنفدوا نصيبهم فيها ولم يدخروا للآخرة مثقال خردلة، كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}.
أما المؤمن الذي يتمتع بالطيبات الحلال ويشكر ربه ويؤدي حقها ويجعلها عوناً على طاعة الله، فله طيبات الدنيا ونعيم الآخرة الأوفى؛ وورع الصحابة وعمر كان زهداً واستبقاءً لأعلى درجات النعيم، لا تحريماً للحلال.
أسلوب الالتفات البديع: الانتقال من صيغة الغيبة {يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى صيغة الخطاب المباشر المريع {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}؛ لمفاجأتهم بالتوبيخ وإلقاء الحجة عليهم في وجوههم.
المشاكلة البلاغية والجزاء الوفاق: مقابلة الاستكبار في الأرض بالعذاب الموصوف بـ {الْهُونِ}، لإذلال تلك النفوس المتكبرة التي كانت تترفع عن قبول الحق.
اللمحة التدبرية: الدنيا ظل زائل ومتاع خادع؛ فمن استهلك فيها أنفاسه وشهواته أفلست كفاه في يوم الجزاء، ومن صام عن شهوات الحرام كان فطره في جنات النعيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تحذير النفوس من الغرق في النعيم المادي والاستهلاك المفرط الذي يبلد الإحساس بالآخرة ويورث القسوة.
الأثر العملي والتربوي: تعويد النفس على الزهد والتوسط في المباحات، والحرص على ادخار الأعمال الصالحة ليوم القيامة، واستشعار قبح الكبر والفسوق.