قوله تعالى: {وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، تحذير وإنذار حاسم من جنود الجن لقومهم ببيان عجز المعاند عن الهرب من قبضة الله، وفقدانه لأي حليف أو نصير يدفع عنه بأس الله.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٦٥)جامع البيانالطبري٢١/٦٥: "يقول تعالى ذكره مخبراً عن الجن: ومن لا يستجب لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فليس بمعجز ربه هرباً في الأرض يفوته حتى لا يقدر عليه، بل هو في قبضته وسلطانه أينما كان، وليس له من دون الله أولياء ينصرونه من عذابه، أولئك الذين لم يجيبوا داعي الله في تيه وضلال عن طريق الحق واضح بين".
وذكر ابن كثير: "أي قدرة الله محيطة به، ولا ملجأ له من الله إلا إليه، وليس له من دون الله من يحميه، بل هو هالك لا محالة إن أصر على كفره".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{بِمُعْجِزٍ}: اسم فاعل من أعجز، والمعجز هو الذي يفوت طالبه ويفلت من قبضته ويسلبه القدرة على اللحاق به.
{أَوْلِيَاءُ}: جمع ولي، وهو النصير المعين الذي يتولى حمايتك ودفع المكاره عنك.
{ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: انحراف واضح مكشوف عن الصراط المستقيم.
التوجيه الإعرابي:
{وَمَن}: الواو عاطفة، (مَن) اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{لَّا يُجِبْ}: (لا) نافية، يجب فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره هو.
{دَاعِيَ اللَّهِ}: مفعول به ومضاف إليه.
{فَلَيْسَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، ليس فعل ماض ناقص واسمه مستتر تقديره هو.
{بِمُعْجِزٍ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، ومعجز خبر ليس مجرور لفظاً منصوب محلاً.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بمعجز، وجملة ليس وما في حيزها في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من.
{وَلَيْسَ لَهُ}: معطوف، جار ومجرور خبر مقدم لليس.
{مِن دُونِهِ}: متعلقان بحال من أولياء.
{أَوْلِيَاءُ}: اسم ليس مؤخر مرفوع بالضمة (ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة).
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبتدأ.
{فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: جار ومجرور ونعت في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص كمال الإنذار بعد كمال البشارة في الآية السابقة؛ فبعد أن عرضوا المكاسب الإيمانية (المغفرة والنجاة)، استعرضوا هنا المخاطر الوجودية الكبرى للعناد: العجز المطلق عن الإفلات، وفقدان النصير، والوقوع في قاع الضلال المبين.
تقييد العجز بـ {فِي الْأَرْضِ}؛ لأن الأرض هي مسرح حركتهم ومهربهم، فإذا كانت أقطار الأرض كلها تضيق عن إعجاز الله والهرب منه، فالسماء من باب أولى لا مهرب فيها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قدرة المتمردين أو طواغيت الإنس والجن على الإفلات من العقاب:
المحاكمة العقلية: المخلوق مهما بلغت حيلته أو سرعته أو خفاؤه محاط بقدرة الخالق المحيط بكل شيء؛ فالجن بقوتهم وسرعة تنقلهم لا يستطيعون الإفلات من أمر الله: {فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ}.
انعدام الأولياء والأنصار من دون الله حقيقة يقينية؛ لأن الكل عبيد مقهورون، فمن خاصم سيده ومولاه أين يذهب ومن يؤويه؟!
التوكيد بالباء الزائدة {بِمُعْجِزٍ}: لقطع كل طمع في الإفلات أو الخلاص من قبضة القضاء الإلهي.
جمع {أَوْلِيَاءُ} وتنكيره: لنفي أي نصير أو حليف من أي نوع وصنف، فكل قوى الكون تعجز عن رد عذاب الله إذا نزل.
اللمحة التدبرية: يا لسعة علم هؤلاء الجن وبلاغتهم في الدعوة! أقاموا الحجة العقلية والنفسية على قومهم في آيات موجزات أحاطت بمقاصد الشريعة والإنذار والبشارة على أبدع وجه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التوازن في الخطاب الدعوي بين الترهيب والترغيب؛ فكما تفتح آفاق الرجاء بالمغفرة، لابد من التحذير من مغبة التمرد والعناد.
الأثر الوجداني والعملي: استشعار عظمة الله والاضطرار التام إليه؛ فلا عاصم اليوم من أمره إلا من رحم، والفرار إنما يكون إلى الله لا منه: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}.