قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، تقرير لكرامتهم الأخروية واستحقاقهم دار النعيم المقيم بفضل الله وإحسانه وجزاء على استقامتهم وصالح أعمالهم.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٣٠)جامع البيانالطبري٢١/٣٠: "يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا هم أهل الجنة وسكانها خلوداً وأبداً، لا يخرجون منها ولا يحولون عنها، ثواباً لهم من الله وجزاءً بما كانوا في الدنيا يعملون من طاعته وتوحيده وامتثال أوامره".
وقال ابن كثير: "أي أعمالهم كانت سبباً لنيل رحمة الله ودخول الجنة، كما جاء في الصحيح: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل، فالأعمال سبب لنيل الرحمة ومنازل النعيم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة للبعيد يدل على علو المكانة ورفعة المنزلة في درجات القرب والكرامة.
{خَالِدِينَ}: الخلود هو البقاء الدائم الذي لا ينقطع ولا يفنى ولا يعتريه موت.
{جَزَاءً}: الجزاء هو المكافأة على الشيء بما يناسبه ويقابله.
التوجيه الإعرابي:
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{أَصْحَابُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{الْجَنَّةِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{خَالِدِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بخالدين.
{جَزَاءً}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره "جزيناهم جزاءً".
{بِمَا}: الباء للسببية، و(ما) مصدرية أو موصولة.
{كَانُوا يَعْمَلُونَ}: كان واسمها وخبرها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بجزاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص كمال التتويج للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا؛ فبعد نفي الخوف والحزن عنهم في الآية السابقة، أثبت لهم هنا النعيم الإيجابي المقيم وهو صحبة الجنة والخلود التام فيها.
التعبير بـ {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} بمادة الصحبة يدل على الملازمة الدائمة والتمكن التام من منازل النعيم، كما يصاحب المرء أحب الناس إليه وألصقهم بداره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعارض بين نيل الجنة بالعمل وبين الحديث الصحيح (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله):
المحاكمة والجمع الأصولي: باء الآية {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هي باء السببية؛ فالعمل الصالح جعله الله سبباً عادياً لنيل رضوانه.
أما باء الحديث المعارض ظاهراً فهي باء المعاوضة والمقابلة الثمنية التامة؛ فالعمل البشري المحدود لا يكافئ نعيم الجنة الأبدي ولا يوفي شكر نعمة واحدة من نعم الله كنعمة البصر أو النفس، فدخول الجنة برحمة الله وفضله، واقتسام الدرجات فيها بالأعمال الصالحة.