قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}، تقرير لعدالة الجزاء الإلهي المطلقة، وتفاوت الخلائق في منازل الجنة ودركات النار بحسب أعمالهم.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٣٩)جامع البيانالطبري٢١/٣٩ عن ابن زيد في قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا}: "قال: درج الجنة تصعد بهم، ودرك النار تهوي بهم؛ فلأهل الجنة درجات يصعدون فيها بأعمالهم الصالحة، ولأهل النار دركات يهبطون فيها بأعمالهم الخبيثة".
وقال قتادة ومجاهد: لكل من الفريقين: المؤمنين البارين، والكافرين العاقين، منازل ورتب عند الله بما كسبت أيديهم في الدنيا، ليوفيهم ثواب أعمالهم وجزاءها وافياً تاماً دون نقص ولا زيادة في السيئات.
وقال ابن كثير: "أي ولكل من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل من ثواب وعقاب مسببة عن أعمالهم في الدنيا؛ فالجنة درجات، والنار دركات، والله تعالى عادل لا يبخس محسناً من إحسانه، ولا يحمل مسيئاً وزر غيره".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{دَرَجَاتٌ}: جمع درجة، وهي المنزلة والمرتبة العالية في الصعود، وتطلق على المراتب في الجزاء خيراً وشراً تغليباً لمنازل أهل الجنة، أو يقال في النار دركات.
{وَلِيُوَفِّيَهُمْ}: التوفية إعطاء الحق كاملاً موفوراً بغير نقص.
{يُظْلَمُونَ}: الظلم النقص والجور وبخس الحقوق.
التوجيه الإعرابي:
{وَلِكُلٍّ}: الواو استئنافية أو عاطفة، اللام حرف جر، (كل) اسم مجرور نون تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف؛ أي ولكل عامل من الفريقين، والجار والمجرور خبر مقدم.
{دَرَجَاتٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِّمَّا عَمِلُوا}: جار ومجرور في محل رفع نعت لدرجات، و(ما) مصدرية؛ أي من جزاء عملهم، أو موصولة.
{وَلِيُوَفِّيَهُمْ}: الواو عاطفة، اللام لام التعليل، يوفي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله، والهاء مفعول به أول، والمصدر المؤول معطوف على علة مقدرة؛ أي ليجازيهم وليوفيهم أعمالهم.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به ثان منصوب، وهو على حذف مضاف؛ أي جزاء أعمالهم.
{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}: الواو حالية، (هم) مبتدأ، وجملة لا يظلمون خبر، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لعدالة التوفية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص كالقانون الكلي الجامع لما تقدم في الآيات السابقة؛ إذ فصّل الله صنف البارين واستجابة دعائهم وقبول أحسن أعمالهم، ثم صنف العاقين المكذبين وحق القول عليهم بالخسران، فجاءت هذه الآية لتضع القاعدة الكلية: كل إنسان مرتبط بعمله، والدرجات متفاضلة تفاضلاً دقيقاً بميزان القسطاس المستقيم.
التذييل بقوله {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} نفي لكل توهم حيف أو محاباة؛ فلا يُنقص من حسنات المؤمن ذرة، ولا يزاد في سيئات العاصي مثقال خردلة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التسوية بين أهل النار أو بين أهل الجنة:
المحاكمة العقلية والشرعية: العقل والعدل يقتضيان التفاوت في الجزاء تبعاً للتفاوت في الطاعة والمعصية؛ فليس من جاهد وقام الليل وتصدق كمن اقتصر على الواجبات، وليس من كفر وأفسد في الأرض وقتل الأنبياء كمن كفر كفراً مجرداً.
قوله {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ} يقرر العدل المتناهي في المراتب؛ فلكل مكلف منزلة مخصوصة لا يشاركه فيها غيره مطابقة لوزن عمله ونيته.
تنوين العوض في {وَلِكُلٍّ}: يحذف المضاف إليه ليعم اللفظ كل إنسان مكلف عبر الأجيال والقرون، مؤمناً كان أو كافراً.
إطلاق لفظ الأعمال وإرادة جزائها: مجاز مرسل علاقته السببية؛ لأن العمل هو سبب الجزاء، والتعبير بنفس العمل يفيد كمال الملازمة حتى كأن الجزاء هو عين العمل المتجسد في الآخرة.
اللمحة التدبرية: الآخرة مرآة الدنيا؛ فما تبنيه هنا من درجات التقوى هو الذي ترقى به هناك، وكل عمل صالح تخطو به خطوة نحو الفردوس الأعلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تحفيز الهمم للتنافس في درجات العلى؛ فإن الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض.
الأثر العملي والوجداني: بث الطمأنينة واليقين في قلب العبد بأن كل حركة وخاطرة وتضحية مسجلة محفوظة، ولن يضيع منها شيء: {وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}.