قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، يصور الله عناد المشركين حين تقرأ عليهم آيات القرآن الواضحات البينات، فيعجزون عن دفع حجتها وبلاغتها، فيلجأون إلى الفرار الرخيص باتهامها بأنها سحر ظاهر.
قال الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٧)جامع البيانالطبري٢١/١٧: "يقول تعالى ذكره: وإذا تتلى على هؤلاء المشركين بالله من قريش آياتنا يعني حججنا وأدلتنا بَيِّنات؛ أي واضحات تدل على توحيد الله وصدق رسوله، قال الذين كفروا بالله للحق لما جاءهم وهو القرآن المعجز: هذا سحر مبين؛ أي خداع وتمويه واضح يفرق به بين الرجل وأهله".
وقال ابن كثير: "أي بهتوا لما عجزوا عن معارضة القرآن، فبهتوا الحق ورموه بالسحر كعادة كل جاهل عاجز عن مواجهة النور الساطع".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{بَيِّنَاتٍ}: جمع بيّنة، وهي الدلالة الواضحة الجلية التي لا لبس فيها ولا غموض.
{سِحْرٌ}: السحر في كلام العرب ما دق ولطف مأخذه وخفي سببه وخيل للرائي خلاف حقيقته.
{مُّبِينٌ}: اسم فاعل من أبان؛ أي بيّن في كونه سحراً في زعمهم، أو مظهر لما يخفيه.
التوجيه الإعرابي:
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، (إذا) ظرف زمان متضمن معنى الشرط.
{تُتْلَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بتُتلى.
{آيَاتُنَا}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، و(نا) ضمير متصل مضاف إليه.
{بَيِّنَاتٍ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنها جمع مؤنث سالم.
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، جواب الشرط.
{الَّذِينَ}: اسم موصول فاعل، وجملة كفروا صلته.
{لِلْحَقِّ}: اللام للتعليل أو بمعنى في؛ أي في شأن الحق، أو اللام جارة للحق مفعولاً غير صريح لقال.
{هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}: مبتدأ وخبر ونعت، والجملة في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بيّن فساد معتقدهم في مآل الآخرة، كشف عن موقفهم الحاضر في الدنيا عند تلقي الوحي؛ فهم لا يواجهون القرآن بالعلم والبرهان، وإنما بالمكابرة والمغالطة وتسمية الحق سحراً.
التعبير بـ {لَمَّا جَاءَهُمْ} يفيد المبادرة بالتكذيب والفجاجة في رد الحق بمجرد وروده دون أدنى تأمل أو رويّة؛ مما يبرهن على أن دافعهم هو الهوى والاستكبار المحض.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وصف القرآن بالسحر: زعم مشركو قريش أن تأثير القرآن في النفوس وخلخلته لروابط الشرك سحر يفرق بين المرء وأبيه وزوجه.
المحاكمة العقلية لإبطال هذه الفرية:
السحر مبني على الكذب والخداع والاستعانة بالشياطين وخلط الحق بالباطل وإفساد الأخلاق.
أما القرآن فيدعو إلى التوحيد، ومكارم الأخلاق، وبر الوالدين، والعدل، والصدق، ويبني المجتمع على الفضيلة والطهارة؛ فكيف يلتبس كلام الرحمن الذي يبني العقول بسحر الشياطين الذي يدلس ويفسد؟!
رميهم القرآن بالسحر هو في حقيقته اعتراف ضمني قهري بعجزهم اللغوي وبأثره البالغ المعجز في القلوب.
المقابلة الصارخة: بين كون الآيات {بَيِّنَاتٍ} في غاية الجلاء والسطوع، وبين وصفهم الجائر لها بأنها {سِحْرٌ مُّبِينٌ}؛ مما يعكس عمى البصيرة وانتكاس الموازين.
التعبير بلفظ {الْحَقِّ}: إبراز أنهم لم يكذبوا كلاماً عادياً، بل كذبوا جوهر الحق المحض، وهو أدل على قبح جنايتهم.
اللمحة الإشارية التدبرية: المعاند حين تحاصره براهين الحق لا يجد ملاذاً إلا السخرية وتشويه المصطلحات؛ فإذا عجز عن الفكرة اغتال سمعة الداعية أو اتهم النص بالغموض والكهانة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات الداعية إذا ووجه بحملات التشويه والاتهامات الباطلة؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتهم بالسحر وهو أصدق الخلق، فمن سار على دربه لابد أن يناله نصيب من الابتلاء.
الأثر التربوي: الحذر من إطلاق الأحكام المسبقة على الأشخاص والأفكار دون دراسة ونظر، وتطهير النفس من داء المكابرة الذي يعمي عن رؤية الحق الجلي.