قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}، بيان لعاقبة تلك الريح العاتية وما أحدثته من إبادة تامة واستئصال لقوم عاد، حتى أقفرت ديارهم وبادت أجسادهم ولم يبق إلا أطلال مساكنهم الصامتة شاهدة على مصارع الظالمين.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٥٠-٥٣)جامع البيانالطبري٢١/٥٠ بإسناده عن ابن عباس وقتادة: "تدمر كل شيء: أي كل شيء أُمرت بتدميره وإهلاكه من رجال عاد وأموالهم ودوابهم وأشجارهم، فأصبحت مساكنهم خالية ليس فيها أنيس، وقد هلكوا جميعاً، وكانت الريح ترفع الرجل منهم حتى تغيبه في السماء ثم تنكسه على رأسه فيندق عنقه وتنزع روحه وتلقيه كأنه أعجاز نخل خاوية".
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "ريح عاد ريح الدَّبُور أرسل الله منها مثل حلقة الخاتم فدمرت ما مرت عليه".
وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: {لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} بضم الياء ونصب مساكنهم على الاستثناء أو رفعها على نائب الفاعل، وقرأ باقي السبعة: {لَا تَرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنَهُمْ} بتاء الخطاب ونصب مساكنهم مفعولاً به؛ أي لا ترى أيها المخاطب إلا بيوتهم خاوية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{تُدَمِّرُ}: التدمير الإهلاك التام وإسقاط البناء وسحق الأشياء واستئصالها من أصولها.
{بِأَمْرِ رَبِّهَا}: الأمر هنا المشيئة والقدر والإذن التكويني القاهر للريح.
{مَسَاكِنُهُمْ}: جمع مسكن، وهو موضع السكنى والبيوت والخيام المشيدة.
التوجيه الإعرابي:
{تُدَمِّرُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره هي يعود على الريح، والجملة في محل رفع نعت ثان لريح.
{كُلَّ شَيْءٍ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف، وشيء مضاف إليه.
{بِأَمْرِ رَبِّهَا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بتدمر.
{فَأَصْبَحُوا}: الفاء عاطفة للتعقيب والترتيب، أصبح فعل ماض ناقص من أخوات كان واسمه ضمير الواو.
{لَا يُرَىٰ}: (لا) نافية، يُرى فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{مَسَاكِنُهُمْ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه (في قراءة الرفع)، أو مفعول به منصوب (في قراءة الخطاب)، وجملة لا يرى إلا مساكنهم في محل نصب خبر أصبح.
{كَذَٰلِكَ}: جار ومجرور خبر مقدم أو في محل نصب نعت لمصدر محذوف؛ أي مثل ذلك الجزاء.
{نَجْزِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}: مفعول به ونعت منصوبان بالفتحة والياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد هو النتيجة المحتومة لما تقدم في الآية السابقة؛ فبعد مجيء الريح جاء التدمير المباغت الصاعق بأمر ربها.
إضافة التدمير إلى "أمر ربها" يقرر الحقيقة العقدية الصافية: الريح جند مسخر لا تفعل بذاتها شيئاً، وإنما تتحرك وتدمر بأمر خالقها وموجدها سبحانه.
ختام الآية بـ {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} يرفع القصة من مجرد حدث تاريخي محلي إلى سنة إلهية عامة مطردة تحيط بكل قوم أجرموا وكذبوا عبر العصور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إشكال: كيف قال {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} وقد بقيت مساكنهم وسماؤهم وأرضهم؟:
المحاكمة البيانية والأصولية: "كل" في لغة العرب تفيد عموم ما سيق له الكلام؛ والمراد هنا تدمر كل شيء مما أرسلت لإهلاكه من أنفس عاد وأموالهم ومواشيهم ومقومات حياتهم، كما يقال: "دمر الحريق كل شيء"؛ أي كل ما يقبل الاحتراق في ذلك المكان.
وبقاء المساكن دليل على صحة هذا التوجيه اللغوي البديع؛ لتكون المساكن الخاوية عبرة للأبصار وشاهداً تاريخياً على الدمار الذي أباد أصحابها وترك جدرانها تنعى ساكنيها.
التصوير الجنائزي الصامت في قوله {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ}: رسم لوحة موحشة تقشعر منها الأبدان؛ قرى كاملة كانت تضج بالحياة والقوة والبطش والجبروت، وإذ بها في صبيحة ليلة واحدة خاوية على عروشها لا صوت فيها ولا حركة، إلا صفير الرياح في أطلال البيوت.
التذييل بالسنة الإلهية {كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}: تنبيه لكل ظالم ومجرم بأن سنن الله لا تحابي أحداً، وأن مصير المستكبرين محتوم.
اللمحة التدبرية: القوة البدنية والمعمارية الفارهة لا تعصم من بأس الله؛ فقد ترك عاد قصورهم في الأحقاف وذهبوا إلى عذاب الجحيم، فما أغنى عنهم تشييدهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: تسيير مواعظ التاريخ وقصص الأمم البائدة لإيقاظ القلوب المتحجرة وإلزام المكذبين بالاعتبار.
الأثر العملي والوجداني: استشعار ضعف الإنسان وفقره إلى حفظ الله ورعايته؛ فريح واحدة لطيفة في أصلها قادر خالقها أن يجعلها سلاح دمار مستأصل يمحو أعظم القوى في ساعات معدودة.