روى البخاري في صحيحه (كتاب مناقب الأنصار، باب إسلام عبد الله بن سلام، رقم ٣٨١٣)مصدر غير محددحديث رقم ٣٨١٣ ومسلم في صحيحه (رقم ٢٤٨٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٨٤ عن عوف بن مالك الأشجعي وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال: "ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}".
وذكر الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٢٣-٢٦)جامع البيانالطبري٢١/٢٣ أن الآية مكية النزول، وأن إسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة، فإما أن تكون الآية نزلت إخباراً بما سيقع في المستقبل من إيمان عبد الله بن سلام فكان معجزة غيبية، أو أن المراد شاهد غير معين من علماء بني إسرائيل شهد بموافقة القرآن للتوراة في أصول التوحيد، أو نزلت هذه الآية مخصوصة بالمدينة بعد إسلام عبد الله بن سلام فألحقت بسورة الأحقاف، والقول الأول والثالث رجحهما كثير من الأئمة كمسروق والشعبي وابن عباس.
وأوضح ابن كثير أن معنى {عَلَىٰ مِثْلِهِ}: أي على مثل هذا القرآن وهو التوراة المنزلة على موسى المشابهة للقرآن في تقرير التوحيد والمعاد والنبوة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم القرآني يقدم هنا دليلاً خارجياً محايداً؛ بعد أن استعرض أدلة الكون والعقل والوحي، جاء بشهادة أهل الكتاب المتوارثين للعلم الديني: إذا كان رجل من أهل العلم الإلهي القديم قد آمن بهذا القرآن لموافقته ما عنده من وحي، واستكبرتم أنتم يا أهل الأوثان عن الإيمان به، فما أعظم ظلمكم لأنفسكم!
حذف جواب الشرط في قوله {إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ} إيجاز بليغ يفتح أفق الذهن لتصور غاية الخسران والندم التي ستحل بهم حين ينكشف الغطاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى انفراد محمد صلى الله عليه وسلم بما يدعو إليه: زعم المشركون أنه لا يعرف أحد من العالمين هذا الدين الجديد.
دحض الشبهة بالمحاكمة العقلية والتاريخية:
موافقة القرآن للكتب الإلهية السابقة (كالتوراة والإنجيل) في أصول التوحيد وتنزيه الخالق والأمر بالفضائل دليل قطعي على وحدة المصدر الإلهي.
شهادة العالم الخبير التابع لكتاب سابق كعبد الله بن سلام وحبريته المشهورة، وإقراره بأن محمداً هو الرسول المبشر به، تقطع حجة كل مكابر؛ لأن العاقل يقدم شهادة أهل الاختصاص والمعرفة على أوهام عبدة الحجارة والأصنام.
المقابلة السلوكية والنفسية العجيبة: بين إيمان العالم المتجرد: {فَآمَنَ} بحرف الفاء الدال على سرعة الاستجابة، وبين استكبار قريش الجاهلة: {وَاسْتَكْبَرْتُمْ} الدال على التصلب والعتو.
التنكير في قوله {شَاهِدٌ}: للتفخيم والتعظيم لشأن هذا الشاهد ودلالة شهادته، وإشعار بأن الحق يثبت بشهادة العدل الواحد الصادق.
اللمحة التدبرية: الآفة الكبرى التي تحول بين الإنسان وبين الهداية ليست قلة الأدلة وإنما "الكبر"؛ فالجاهل قد يهديه علمه إذا تواضع، أما المستكبر فلا تزيده الآيات إلا عتواً ونفوراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الاستفادة من شهادات أهل المعرفة والمحايدين في تثبيت قضايا الحق ودفع شبهات المبطلين؛ فإن للشهادة الموضوعية وقعاً مؤثراً في نفوس الباحثين عن الحقيقة.
الأثر التربوي: الحذر التام من داء الكبر والظلم؛ فالظلم مانع من توفيق الله وهدايته: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.