قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، رد إلهي حاسم يلقنه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لمواجهة فرية ادعاء افتراء القرآن وصناعته.
ذكر الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٨)جامع البيانالطبري٢١/١٨ في تأويل الآية: "يقول تعالى: بل يقول هؤلاء المشركون: اختلق محمد هذا القرآن وتخرصه من عند نفسه، قل يا محمد: إن كنت اختلقته وتخرصته على الله كذباً، فإن الله سيعاجلني بالعقوبة ولن تقدروا أن تدفعوا عني من عذابه شيئاً، فكيف أفتري عليه وأنا أعلم بطشه؟! وهو أعلم بما تخوضون فيه وتفيضون من الطعن في كتابه، كفى بالله شهيداً بيني وبينكم، وهو الغفور لذنوب التائبين، الرحيم بهم".
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ}: أي ما تخوضون فيه وتحدثون به من التكذيب والبهتان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{افْتَرَاهُ}: الافتراء اختلاق الكذب والبهتان المتعمد عن عمد وعلم.
{تُفِيضُونَ}: من أفاض في الحديث إذا اندفع فيه وخاض فيه بكثرة وتوسع كاندفاع السيل الفائض.
{كَفَىٰ}: فعل يدل على الاكتفاء والاستغناء التام.
التوجيه الإعرابي:
{أَمْ}: منقطعة للإضراب الانتقالي والإنكار.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{افْتَرَاهُ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة مقول القول.
{قُلْ}: فعل أمر، والجملة مستأنفة للتلقين.
{إِنِ افْتَرَيْتُهُ}: إن حرف شرط جازم، وافتريته فعل ماض في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والهاء مفعول به.
{فَلَا تَمْلِكُونَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (لا) نافية، (تملكون) فعل مضارع مرفوع، والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{لِي}: جار ومجرور متعلقان بـ تملكون أو بحال من شيئاً.
{مِنَ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ تملكون.
{شَيْئًا}: مفعول به منصوب، وهو نكرة في سياق النفي تفيد العموم.
{كَفَىٰ بِهِ شَهِيدًا}: فعل ماض، والباء في (به) زائدة لتأكيد الفاعلية، والهاء في محل رفع فاعل كفى، و(شهيداً) تمييز منصوب، أو حال.
{بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}: ظرف متعلق بشهيداً.
{وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}: مبتدأ وخبران، والجملة تذييلية للترغيب في التوبة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال بـ {أَمْ} المنقطعة من دعواهم الأولى (السحر) إلى دعواهم الثانية (الافتراء)؛ لبيان تخبطهم واضطرابهم؛ فالساحر غير المفتري، والقرآن المعجز دحض التهمتين معاً.
التدرج المنطقي الصارم: قل إن افتريته فأنا أتعرض لعذاب الله ولا ناصر لي من دونه، فهل يعقل أن يعرض العاقل نفسه لمهالك العذاب الإلهي من أجلكم أو من أجل دنيا زائلة؟!
ختم الآية بصفتي {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فتح لباب التوبة والرجاء لهؤلاء المكذبين رغم افترائهم وخوضهم الباطل، وهو من أروع مسالك الرحمة والدعوة في القرآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأليف القرآن وتخرصه:
المحاكمة العقلية: لو افترى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب ونسبه لله كذباً، لعاقبه الله ولأخذ منه باليمين وقطع منه الوتين كما في سورة الحاقة.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم علم اليقين بطش الله وجبروته، فكيف يجترئ على الافتراء؟! ومعلوم عند عقلاء قريش أنه الملقب بـ "الصادق الأمين" طوال أربعين سنة، فكيف يدع الكذب على الخلق ويكذب على الخالق الأعظم؟!
الاستعارة في قوله {تُفِيضُونَ فِيهِ}: شبه خوضهم السريع الغامر في التكذيب والطعن بإفاضة الماء الغزير في مجاريه؛ مما يصور تهورهم واندفاعهم دون تعقل.
التذييل بـ {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}: احتراس بديع وتلطف في موضع التهديد؛ لتليين القلوب القاسية وحثها على ترك العناد والمبادرة بالمغفرة.
الإشارة التدبرية: تفويض الأمر لله والاكتفاء بشهادته يملأ قلب الداعية سكينة ويقضي على كل قلق أو حزن يسببه طعن المبطلين وتلفيق المفترين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: الاقتداء بهذا المنهج النبوي في الجمع بين الحزم في إبطال التهم، وبين عدم إغلاق باب الرجاء والتوبة في وجوه المعارضين.
الأثر العملي والوجداني: مراقبة الله في خفايا الأقوال؛ فهو سبحانه {أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ}، فليحذر اللسان من الخوض فيما يكرهه الله، وليستشعر العبد شهادة الله على كل سكنة وحركة.