روى ابن جرير الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٣-١٦)جامع البيانالطبري٢١/١٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ}: "قال: خط يخطه بأصبعه، وفي رواية أخرى عنه: بقية من علم"، وروي عن مجاهد وقتادة والحسن: "أثارة من علم: أي بقية من علم يؤثر عن الأولين".
وأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الأثارة: "الخط كان يخطه الرجل من الأنبياء"، والمراد عند جماهير المحققين: بقية من أثر علم حق موروث عن الأنبياء السابقين تشهد بصحة ما تدعونه من الشركاء.
قال ابن كثير: "أي أقيموا دليلاً نقلياً من كتاب أنزله الله، أو أثراً مروياً عن الأنبياء، فإن لم يكن فبأي شيء تعبدون هذه الأنداد التي لم تخلق شيئاً ولم تشارك في خلق السماوات؟!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أَرَأَيْتُم}: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية قلبية تفيد التعجيب وتنبيه المخاطب لتقرير أمر بديهي.
{شِرْكٌ}: بكسر الشين، أي نصيب وحصة وشراكة في الملك أو الخلق.
{أَثَارَةٍ}: بفتح الهمزة، فَعالة من أثرت الحديث إذا رويته وحفظته، والأثارة: البقية والأثر المنقول المتوارث.
التوجيه الإعرابي:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت.
{أَرَأَيْتُم}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والميم علامة الجمع، وجملة الاستفهام في محل نصب مقول القول.
{مَّا تَدْعُونَ}: (ما) اسم موصول مفعول به أول لأرأيتم، وجملة تدعون صلته.
{أَرُونِي}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول.
{مَاذَا خَلَقُوا}: (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر، أو (ماذا) كلها مفعول به مقدم لخلقوا، والجملة في محل نصب مفعول ثان لأروني معلقة بالاستفهام.
{أَمْ}: منقطعة بمعنى بل والهمزة، للإضراب الانتقالي والإنكار.
{ائْتُونِي}: فعل أمر وفاعله ومفعوله، والجملة مستأنفة للمطالبة بالحجة.
{بِكِتَابٍ}: جار ومجرور متعلقان بائتوني.
{أَوْ أَثَارَةٍ}: معطوف على كتاب مجرور بالكسرة.
{إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}: شرط جوابه محذوف دل عليه ما قبله؛ أي فأتوا بذلك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السياق القرآني انتقل من البرهنة الكونية العامة (خلق السماوات والأرض بالحق) إلى التطبيق الإلزامي الصارم لمواجهة الشرك؛ إذ إذا كان الله وحده هو الخالق للسماوات والأرض، فما الداعي لعبادة أصنام وأوثان لا تملك ذرة من خلق ولا شركة فيه؟!
النظم البديع جمع بين أدلة العقل (الخلق والشراكة في ملك الكون) وأدلة النقل (الكتاب الإلهي السابق أو الأثر المروي الموثق)، وهي أركان المنهج المعرفي القويم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة جواز اتخاذ الأولياء شفعاء بغير دليل: زعم المشركون أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم.
المحاكمة العقلية الإفحامية:
استحقاق العبادة مبني على الخلق والإنعام؛ فبما أن هذه الأصنام لم تخلق شبراً من الأرض ولم تكن شريكة في خلق السماوات وبنائها، فسقطت أهليتها للعبادة والتعظيم عقلاً.
الشفاعة لا تثبت إلا بإذن المالك ورضاه، وهذا لا يُعلم إلا بطريق الوحي؛ فلما عجزوا عن إبراز كتاب إلهي أو نقل متوارث عن نبي يبيح ذلك، ثبت أن شركهم محض افتراء وجهل وضلال مبين.
أسلوب التعجيز والتحدي: التعبير بصيغ الأمر التعجيزية المتوالية: {أَرُونِي}، {ائْتُونِي}، وهو أسلوب يقطع حجج الخصم ويلقمه حجراً.
التقسيم الحاصر لطرائق المعرفة: قسم القرآن مصادر المعرفة إلى:
دلالة الخلق والمشاهدة العقلية (الآيات والآفاق).
دلالة الوحي والنقل المعصوم (الكتاب المنزّل).
دلالة الأثر العلمي الرصين الموروث (أثارة من علم).
اللمحة الإشارية: كل اعتقاد ديني أو فكري لا يستند إلى أصل نقلي محكم أو عقل فطري سليم، فهو من هباء الأوهام وزبد الضلال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: لزوم مناقشة الخصوم بالمنهج المعرفي التوثيقي: "قُل هاتوا برهانكم"؛ فلا يُقبل في العقائد والأحكام إلا النقل الصحيح الصريح أو العقل الراجح الفصيح.
الأثر التربوي: التزام الأمانة العلمية والتثبت والتبين، ورفض الخرافات والشائعات والأوهام التي يروجها الجهلة دون سند من كتاب أو أثارة من علم.