روى الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٩-٢٢)جامع البيانالطبري٢١/١٩ بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ}: "يقول: لست بأول رسول أرسله الله إلى العباد، بل قد كانت قبلي رسل كثيرة، فلم تنكرون رسالتي وتستغربون بعثتي إليكم؟! وقوله: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ}؛ أي في الدنيا من عذاب أو قتال أو نصر أو هجرة حتى يوحى إلي".
وقال قتادة وعكرمة والحسن: قوله {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} خاص بأحوال الدنيا وعواقبها الأرضية، أما في أمر الآخرة فقد كان يعلم صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة وأن الكفار في النار بإعلام الله له ووحيه. وقيل نسخت بآية الفتح: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}، والصواب المحقق عند المحققين كابن جرير وابن كثير أنه ليس بنسخ، بل عدم العلم بالغيب في تفاصيل الوقائع الدنيوية إلا ما كشفه الوحي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{بِدْعًا}: البدع بكسر الباء وسكون الدال: الأمر الأول المخترع الذي لا نظير له ولا سابقة، يقال: ما هذا ببدع؛ أي بأول أمر حادث.
{يُوحَىٰ}: من الوحي، وهو الإلقاء السريع الخفي للحقائق والأوامر الإلهية إلى الرسول.
{نَذِيرٌ}: فعيل بمعنى منذر، محذر من العذاب وسوء العاقبة.
التوجيه الإعرابي:
{قُلْ}: فعل أمر، والفاعل مستتر، والجملة مستأنفة.
{مَا كُنتُ}: (ما) نافية، و(كنت) كان واسمها.
{بِدْعًا}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{مِّنَ الرُّسُلِ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لـ بدعاً أو متعلقان به.
{مَا يُفْعَلُ بِي}: (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، أو موصول مفعول به، وعُلقت درى عن العمل اللفظي بالاستفهام، وجملة يفعل بي في محل نصب سدت مسد مفعولي أدري.
{وَلَا بِكُمْ}: معطوف على بي.
{إِنْ أَتَّبِعُ}: (إن) نافية بمعنى ما، و(أتبع) فعل مضارع، والفاعل مستتر.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ}: (ما) موصولة مفعول به، وجملة يوحى صلتها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يمثل هذا النص ميزاناً عقائدياً وتاريخياً فاصلاً؛ فالمشركون كانوا يستغربون كيف يبعث الله بشراً، وكيف لا يعلم الغيب كله، وكيف لا يجلب لهم المنافع الخارقة! فجاء التوجيه القرآني الصادق ليرد الأمر إلى نصابه:
النبوة لها خط تاريخي طويل ممتد، فمحمد صلى الله عليه وسلم حلقة في سلسلة الأنبياء لا بدعاً مستحدثاً.
الرسول بشر يتبع الوحي، ولا يتحكم في مقادير الغيب، ووظيفته الأساسية هي البلاغ والنذارة المبينة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استنكار بشريته وعدم إحاطته بالغيب المستقل: زعم الطاعنون أن الرسول ينبغي أن يكون ملكاً أو يعلم كل المغيبات ويملك خزائن الأرض.
المحاكمة العقلية ودحض الشبهة:
لو كان الرسول مدعياً أو مفترياً لادعى لنفسه الألوهية أو علم الغيب المطلق والقدرات الخارقة ليستميل العوام كما يصنع الدجالون.
إعلان النبي صلى الله عليه وسلم صراحة: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} مع كونه في أعلى درجات القيادة والرسالة هو برهان ساطع لا يقبل الشك على كمال صدقه وتجرده وأمانته؛ إذ لا يملك إلا ما آتاه الوحي المعصوم.
{إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ}: قصر الاتباع على الوحي نفياً لأي تدخل أو تشريع من الهوى.
{وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ}: قصر وظيفته على النذارة والبيان، وهو قصر إضافي لإبطال دعاوى التحكم في الكون وخزائن الأرزاق.
الجناس المعنوي والاتساق النظمي: التناغم بين نفي الابتداع في الدعوة {مَا كُنتُ بِدْعًا} وبين لزوم الاتباع للوحي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ}.
اللمحة الإشارية التدبرية: كمال العبودية لله يكمن في البراءة من دعوى علم الغيب والاستسلام المحض لأمر الله تعالى، فكلما ازداد العبد رفعة عند ربه ازداد تواضعاً وإقراراً بفقره وعجزه وجهله إلا بما علمه الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: وجوب ربط الدعوة بميراث النبوات وتاريخ الرسل؛ فالدعوة إلى التوحيد ليست فكرة مبتدعة، بل هي قضية الوجود الأولى ودعوة كل الأنبياء الكرام.
الأثر التربوي: التزام حدود العلم الشرعي، ونبذ التكلف، وقول "لا أدري" فيما لا يعلمه العبد، فهذا رسول الله وسيد الخلق يعلن أنه لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه.