قوله تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، يقرر الله جل وعلا مصدرية هذا القرآن العظيم وأنه ليس من إنشاء بشر ولا اقتباس كاهن، بل تنزيل من لدن إله عزيز في انتقامه وسلطانه، حكيم في تدبيره وشرعه وأوامره.
روى الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١١)جامع البيانالطبري٢١/١١ عن قتادة: "تنزيل الكتاب من الله، نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام من رب العالمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، العزيز في ملكه الذي لا يرام، الحكيم في تدبير خلقه".
وذكر ابن كثير في تفسيره (تفسير القرآن العظيم، مجلد ٧، صفحة ٢٧٢)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٧٢ أن تصدير السورة بـ "العزيز الحكيم" يجمع بين صفتي القهر والقدرة والغلبة (العزيز)، وصفة الإتقان ووضع الأشياء في مواضعها وإحكام التشريع والبيان (الحكيم).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{تَنزِيلُ}: مصدر نزل ينزل تنزيلاً، والتفعيل يدل على التكثير والتدرج في النزول مفرقاً بحسب الوقائع والأحداث تثبيتاً لفؤاد النبي صلى الله عليه وسلم.
{الْكِتَابِ}: مصدر سمي به المكتوب، وهو القرآن الجامع للحقائق والشرائع والأحكام.
{الْعَزِيزِ}: صفة مشبهة من العزة، وهي القوة والغلبة والمنعة التي لا تغالب.
{الْحَكِيمِ}: فعيل بمعنى مفعل أو فاعل، أي الحاكم المحكم المتقن لأفعاله وتدابيره.
التوجيه الإعرابي:
{تَنزِيلُ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْكِتَابِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{مِنَ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ تقديره "كائن أو حاصل من الله"، ويجوز أن يكون {تَنزِيلُ} خبراً لمبتدأ محذوف تقديره "هذا تنزيل الكتاب".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء الإخبار بـ {تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} بعد الاستفتاح بالحروف المقطعة لبيان أن هذا النظم القرآني صادر عن القوة المطلقة والعلم المحكم، فلا مطمع لأحد في نقضه أو التشكيك في صدقه.
اقتران الصفتين "العزيز الحكيم" هو المحور الموجه لمقاصد السورة؛ فعزته تقهر المعاندين المكذبين من قريش وقوم عاد، وحكمته تجلت في خلق الكون بالحق ولأجل مسمى، وفي وضع موازين العدل والبر والجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى البشرية في مصدر القرآن: زعم كفار مكة أن القرآن شعر أو كهانة أو أساطير الأولين اكتتبها النبي صلى الله عليه وسلم.
دحض الشبهة عقلياً:
لو كان هذا الكتاب من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً وعجزاً ظاهراً ووهناً تشريعياً.
اقتران العزة بالحكمة في التنزيل يبرهن على خلوه التام من التناقض والاضطراب؛ فالقوي غير الحكيم قد يبطش بلا حكمة، والحكيم غير العزيز قد يعجز عن حماية شرعه، واجتماع العزة التامة والحكمة البالغة لله يقتضي عصمة التنزيل وهيمنته ونفاذ وعده ووعيده.
إضافة المصدر إلى المفعول: في قوله {تَنزِيلُ الْكِتَابِ}؛ دلالة على شرف هذا الكتاب وثبوته وتدوينه في اللوح المحفوظ وفي صدور المؤمنين وصحفهم.
التنكير في التعظيم: جاء ذكر المصدر تنزيلاً لإفادة عظمة هذا النزول ورفعة شأنه ومصدره.
اللطيفة التدبرية: من قرأ القرآن استشعر أنه يتلقى رسائل حية من ملك الملوك القاهر فوق عباده (العزيز)، الذي يعلم مواطن صلاحه ودروب نجاته في الدارين (الحكيم).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ترسيخ اليقين بأن الشريعة والقرآن يستندان إلى قوة الحق الإلهي المطلق، فلا ينبغي للداعية أن يداخله الوهن أو التردد أمام باطل المستكبرين.