قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، مقارنة تاريخية إلزامية لقريش؛ فأنتم يا أهل مكة أقل قوة وبسطة من عاد، ومع ذلك أهلكهم الله لما جحدوا، فلم تنفعهم قواهم ولا حواسهم حين نزل بهم البأس.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٥٤-٥٦)جامع البيانالطبري٢١/٥٤: "يقول تعالى ذكره لكفار قريش: ولقد مكنا عاداً قوم هود في الدنيا من القوة وبسطة الأجسام والأموال وطول الأعمار في الذي لم نمكنكم أنتم فيه يا معشر قريش، وجعلنا لهم سمعاً يسمعون به، وأبصاراً يبصرون بها، وأفئدة تفقه وتدرك، فما دفع عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا قلوبهم من عذاب الله شيئاً لما جاءهم، لأنهم كانوا ينكرون حجج الله ويكذبون رسله، ونزل بهم ولحقهم ذلك العذاب الذي كانوا به يسخرون".
وقال ابن كثير: "يقول تعالى: مكنا الأمم السالفة في الأموال والأولاد والقوى ما لم نمكنكم فيه، وآتيناهم أدوات الإدراك والمعرفة، فما أغنت عنهم شيئاً حين كفروا، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم وأنتم أضعف منهم قوة وجاهاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{مَكَّنَّاهُمْ}: التمكين إعطاء القدرة والسطوة والمال والاستقرار.
{إِن}: نافية بمعنى ما عند أكثر المحققين؛ أي فيما لم نمكنكم فيه، أو زائدة لتأكيد التمكين؛ أي في الذي مكناكم فيه وزيادة.
{أَفْئِدَةً}: جمع فؤاد وهو القلب محل الفقه والإدراك والعقل.
{حَاقَ}: نزل وأحاط ولزم إحاطة تامة لا مفر منها.
التوجيه الإعرابي:
{وَلَقَدْ}: الواو قسمية استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{مَكَّنَّاهُمْ}: فعل ماض وفاعله نا ومفعوله الهاء.
{فِيمَا}: جار ومجرور متعلقان بمكناهم، و(ما) اسم موصول.
{إِن}: نافية؛ أي لم نمكنكم فيه، أو زائدة لتأكيد الإثبات.
{مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ}: جملة الصلة لما.
{وَجَعَلْنَا لَهُمْ}: معطوف على مكناهم، جعل فعل ماض ونا فاعل ولهم متعلقان بجعلنا.
{سَمْعًا}: مفعول به أول أو مفرد أريد به الجمع.
{وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً}: معطوفان على سمعاً منصوبان بالفتحة.
{فَمَا أَغْنَىٰ}: الفاء عاطفة، (ما) نافية، أغنى فعل ماض مبني على الفتح المقدر.
{عَنْهُمْ}: متعلقان بأغنى.
{سَمْعُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم}: معطوفان على سمعهم.
{مِّن شَيْءٍ}: (من) صلة زائدة لتأكيد النفي، و(شيء) مفعول به منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ أي ما أغنى عنهم أدنى إغناء.
{إِذْ}: ظرفية تعليلية؛ أي حين كانوا يجحدون، أو لمجرد التعليل.
{مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}: (ما) اسم موصول فاعل حاق، وكان واسمها وخبرها صلتها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتبط هذا التحليل المعرفي والنفسي بالقصة التاريخية مباشرة؛ فبعد أن أراهم مصارع عاد، بيّن لهم سر هلاكهم: تعطل وسائل الإدراك (السمع، البصر، العقل) عن وظيفتها الحقيقية؛ فلما استخدموا حواسهم في الجحود والاستهزاء عوقبوا بإبطال نفعها وحلول العذاب بهم.
التدرج في ذكر الحواس: بدأ بالسمع لتلقي البلاغ، ثم الأبصار لمشاهدة الآيات والآفاق، ثم الأفئدة لتدبر الحجج وإدراك المعاني؛ فإذا فسدت هذه المنافذ استحق العبد الهلاك المحتوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المحاكمة العقلية: القوة المادية والأدوات الحسية ليست غاية في ذاتها، ولا تضمن بقاء الحضارات؛ فإن لم تكن محكومة بنور الإيمان والعدل كانت وبالاً ودماراً على أصحابها.
عاد امتلكوا الحواس والذكاء ولكنهم جحدوا بالحق: {إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ}؛ فعطلوا وظيفة العقل الحقيقية، والذكاء المجرد عن التقوى لا ينجي صاحبه من بطش الله وعذابه.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
إفراد {سَمْعًا} وجمع {أَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً}: السمع مصدر يعبر به عن الجنس والواحد والجمع؛ ولأن المسموعات تلتقي في ممر واحد لا يحتاج إلى الالتفات كالرؤية البصرية التي تتعدد جهاتها وتتنوع بها المناظر، وتتعدد معها خواطر الأفئدة.
تكرار النفي بـ "لا" في {وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم} وتأكيد الاستغراق بـ {مِّن شَيْءٍ}: لنفي أدنى ذرة من النفع أو الحماية عنهم من أي وجه كان.
اللمحة التدبرية: الحواس الحقيقية هي التي تقود إلى معرفة الله؛ فمن لم يسمع الحق سماع قبول، ولم يبصر آيات الله اعتباراً، ولم يعقل بفؤاده عظمة خالقه، فهو في حكم الأعمى والأصم وعديم العقل وإن حاز أعلى الدرجات الدنيوية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: مخاطبة المستكبرين بحقيقة ضعفهم التاريخي؛ فإن أعتى القوى العسكرية والمالية بادت ولم تغن عنها حيلها شيئاً أمام أمر الله.
الأثر العملي والتربوي: شكر نعمة السمع والبصر والعقل بتوظيفها في طلب العلم وتدبر كتاب الله، وتطهيرها من الإصغاء إلى الباطل أو النظر إلى المحرمات أو الخوض في الجحود والاستهزاء.