روى الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٢٧)جامع البيانالطبري٢١/٢٧ عن ابن عباس وقتادة: "أن كفار قريش قالوا في عمار وصهيب وبلال وخباب ونحوهم من فقراء المسلمين ومواليهم: لو كان ما جاء به محمد خيراً وفضلاً وكرامة ما سبقتنا إليه هذه الأراذل والعبيد! ونحن سادة الناس وأشرافهم، فلما رأوا الضعفاء قد سبقوا إلى الإيمان زعموا أن ما جاء به ليس بخير، وقالوا: هذا إفك قديم مأثور عن الأوائل".
وقال ابن كثير: "أما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيراً لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها. وأما الكفار هنا فقالوا ذلك كبراً واحتقاراً للمؤمنين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{خَيْرًا}: الخير ما يرغب فيه الكل كالعقل والعدل والفضل والهدى.
{إِفْكٌ}: الإفك هو أسوأ الكذب وأشنعه، وهو صرف الشيء عن وجهه الحقيقي.
{قَدِيمٌ}: العتيق المتقادم في الزمن، وأرادوا به أساطير الأولين وأكاذيبهم الموروثة.
التوجيه الإعرابي:
{وَقَالَ}: الواو استئنافية، قال فعل ماض.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: اسم موصول فاعل، وكفروا صلته.
{لِلَّذِينَ آمَنُوا}: اللام جارة تفيد معنى التعليل أو القول في حقهم؛ أي قالوا في شأن المؤمنين.
{لَوْ}: حرف امتناع لامتناع (حرف شرط غير جازم).
{كَانَ خَيْرًا}: كان واسمها مستتر يعود على الإيمان أو القرآن، وخيراً خبرها منصوب.
{مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ}: (ما) نافية، وسبقونا فعل وفاعل ومفعول به، وإليه جار ومجرور، والجملة جواب لو لا محل لها.
{وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ}: الواو عاطفة، (إذ) ظرفية لما مضى، وجملة لم يهتدوا مضاف إليها، والباء جارة للهاء العائدة على القرآن.
{فَسَيَقُولُونَ}: الفاء رابطة لجواب شرط متضمن في الظرف، والسين للاستقبال، ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم يكشف العلة الباطنة لإعراض الكبراء: القياس الفاسد المستند إلى الغرور والجاه الدنيوي؛ فقد قاسوا مراتب الحق بموازين الغنى والسيادة الدنيوية الزائفة.
قوله {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} يفضح الحيلة النفسية للمهزوم؛ فالإنسان إذا عجز عن إدراك الفضيلة أو التنازل عن كبريائه لقبولها عمد إلى الطعن فيها وتشويهها ليبرر لنفسه حرمانه منها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مقياس الأسبقية والوجاهة الدنيوية للحق: زعم طغاة قريش أن الأشراف والوجهاء هم أولى بكل خير، فلو كان الدين حقاً لكانوا أول من هداه الله إليه.
دحض الشبهة بالمحاكمة العقلية القاطعة:
مغالطة الاحتكام إلى المكانة: الحق قائم بذاته وبراهينه لا بطبقة أتباعه؛ والأنبياء عبر التاريخ كان أتباعهم أول الأمر هم الضعفاء والمساكين الذين لا تشغلهم أطماع الجاه والرياسة عن قبول الصدق.
الانتكاس المعرفي في تسمية الحق "إفكاً قديماً": حين أعماهم الحسد وعجزوا عن الاهتداء بنوره، لجأوا إلى المغالطة التاريخية، مدعين أن هذا كلام كاذب مكرر عن الأمم البائدة، وهي حيلة المفلس حين يعييه البرهان.
التعبير بـ {لِلَّذِينَ آمَنُوا}: إشعار بأن هذا القول قيل في شأنهم للازدراء والتحقير، ويدل على مرارة الغيظ التي تعتصر قلوب المستكبرين.
التصوير النفسي البارع (سيكولوجيا العجز والتبرير): في قوله {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}؛ من عجز عن تحصيل الفضل عاداه وعابه، كما قيل في المثل: "حَسَدُوا الفَتى إِذ لَم يَنالوا سَعيهُ ... فَالقَومُ أَعداءٌ لَهُ وَخُصومُ".
الإشارة التدبرية: مقاييس الهداية عند الله تنبني على طهارة القلوب وتواضعها، لا على الحسابات الطبقية أو النفوذ الدنيوي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: عدم الانخداع بوجاهة المعارضين للدعوة ومكانتهم الدنيوية؛ فكثيراً ما تكون المناصب والرياسات حجاباً كثيفاً يمنع أصحابها من الانقياد للحق خشية فوات منافعهم العاجلة.
الأثر التربوي: التواضع وقبول الحق ممن جاء به صغيراً كان أو كبيراً، شريفاً أو ضعيفاً، والتبرؤ من الغرور الذي يهلك صاحبه ويورده موارد الردى.