قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}، رد عاد المتعجرف الباغي على نبيهم المشفق هود عليه السلام، جامعاً بين التعصب للأوثان واستعجال نقمة الله وعذابه.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٤٦)جامع البيانالطبري٢١/٤٦: "يقول تعالى ذكره: قالت عاد لهود: أجئتنا لتصرفنا وتصدنا بكذبك عن عبادة آلهتنا التي ورثنا عبادتها عن آبائنا؟! فأتنا بما تعدنا من العذاب الذي تخوفنا به إن كنت من الصادقين في قيلك إن الله معذبنا".
ونقل ابن كثير عن السلف أن هذا القول صادر عن عتو واستكبار، واستبعاد لحلول العذاب؛ لاغترارهم بأجسادهم العظيمة وقلاعهم المشيدة في الأحقاف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أَجِئْتَنَا}: الهمزة للاستفهام الاستنكاري التعجبي، وجئتنا من المجيء.
{لِتَأْفِكَنَا}: لتصرفنا وتقلبنا عن مذهبنا، وأصله من الإفك وهو قلب الشيء عن وجهه الحقيقي.
{تَعِدُنَا}: الوعد هنا استعمل في الوعيد بالعذاب تهكماً واستهزاءً.
التوجيه الإعرابي:
{قَالُوا}: فعل ماض والواو فاعل.
{أَجِئْتَنَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، جئت فعل وفاعل، و(نا) مفعول به، والجملة مقول القول.
{لِتَأْفِكَنَا}: اللام لام التعليل، تأفكنا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل مستتر و(نا) مفعول به.
{عَنْ آلِهَتِنَا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بتأفكنا.
{فَأْتِنَا}: الفاء فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، ائت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والفاعل مستتر و(نا) مفعول به.
{بِمَا}: جار ومجرور متعلقان بائتنا، و(ما) موصول.
{تَعِدُنَا}: صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره تعدنا به.
{إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}: شرط وجوابه محذوف دل عليه ما قبله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تظهر الآية قبح مقابلة الإحسان بالإساءة؛ فهود يقول لهم في الآية السابقة: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} بمنتهى الشفقة والحرص، فيردون عليه بهذا التمرد والاتهام: {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} ويطلبون تعجيل العذاب تحدياً واستهتاراً.
التعبير بـ {لِتَأْفِكَنَا} يبرز مقلوبية المفاهيم عندهم؛ حيث سموا الدعوة إلى التوحيد والنجاة إفكاً وصرفاً، واعتبروا التشبث بعبادة الحجارة ثباتاً وديناً حقاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة طلب المعاندين تعجيل العذاب دليلاً على صدق الرسول:
المحاكمة العقلية: طلب استعجال العذاب قمة السفاهة ومغالطة منطقية فاضحة؛ لأن وظيفة الرسول هي الإنذار والتعليم وفتح باب النجاة، لا إنزال الصواعق وإبادة الخلق.
تأخر العذاب رحمة وإمهال من الله ليتوب التائب ويهتدي الضال، فجعلهم هذا الإمهال دليلاً على الكذب والتردد هو جهل بطبيعة الحلم الإلهي.
التعبير بالصرف والإفك {لِتَأْفِكَنَا}: يعكس الإلف والعادة المستحكمة، فالجاهلي يرى موروثه هو الأصل وكل جديد مخالف له قلباً وإفكاً حتى لو كان نور الوحي الساطع.