وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}، فتح إلهي عظيم لنبيه صلى الله عليه وسلم وتسلية لفؤاده بعد إعراض قريش وأهل الطائف، ببيان عالمية رسالته واستجابة عالم الجن للقرآن الكريم.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، تفسير سورة الجن، رقم ٤٩٢١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٩٢١ ومسلم في صحيحه (كتاب الصلاة، باب استماع الجن لقراءة القرآن، رقم ٤٤٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حدث، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامداً إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا: {يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ}، وقوله في الأحقاف: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ}".
وروى مسلم في صحيحه (رقم ٤٥٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٠ عن علقمة قال: سألت ابن مسعود رضي الله عنه: هل شهد أحد منكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فقال: "أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن"، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. والجمع بين الروايتين أن استماعهم وقع مراراً؛ أولها بنخلة دون أن يشعر بهم حتى أوحي إليه، ثم لقيهم بعد ذلك ليلة الجن بالمدينة أو بمكة متعمداً لدعوتهم وتعليمهم.
والنفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجاء أنهم كانوا سبعة أو تسعة من جن نصيبين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{نَفَرًا}: رهط وجماعة من الرجال دون العشرة، من ثلاثة إلى تسعة.
{الْجِنِّ}: عالم غيبي خلقهم الله من نار السموم، مستترون عن حواس البشر.
{أَنصِتُوا}: الإنصات السكوت مع الإصغاء التام وإلقاء السمع وحضور القلب.
{قُضِيَ}: تم وفرغ من تلاوته وبيانه.
{وَلَّوْا}: رجعوا وانصرفوا مسرعين.
التوجيه الإعرابي:
{وَإِذْ}: الواو استئنافية، (إذ) ظرف زمان لما مضى متعلق بفعل محذوف تقديره "واذكر إذ".
{صَرَفْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{إِلَيْكَ}: متعلقان بصرفنا.
{نَفَرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مِّنَ الْجِنِّ}: جار ومجرور في محل نصب نعت لنفراً.
{يَسْتَمِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وجملة يستمعون في محل نصب نعت ثان أو حال.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، (لما) ظرفية شرطية حينية.
{حَضَرُوهُ}: فعل وفاعل ومفعول به.
{قَالُوا}: جواب لما لا محل له من الإعراب.
{أَنصِتُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والجملة مقول القول.
{فَلَمَّا قُضِيَ}: الفاء عاطفة، قضي فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر يعود على القرآن أو الفراغ منه.
{وَلَّوْا}: جواب لما، فعل وفاعل.
{إِلَىٰ قَوْمِهِم}: متعلقان بولوا.
{مُّنذِرِينَ}: حال منصوبة وعلامة نصبها الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة التعقيب الإلهي: لما استكبر كفار قريش من الإنس وقالوا: {هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}، وجحدوا بآيات الله، ساق الله لنبيه صلى الله عليه وسلم هذا النبأ العظيم عن عالم الجن؛ ليبين أن الحق لا يضيع إذا كفر به أهل مكة، فإن لله عباداً آخرين من الجن أقبلوا بقلوبهم وأذعنوا وخشعوا، ثم تحولوا في لحظات إلى دعاة منذرين.
المقابلة الصادمة: عاد من الإنس كذبوا نبيهم وقالوا: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا}، ونفر من الجن سمعوا القرآن لمرة واحدة فخضعوا وقالوا: {أَنصِتُوا} وسارعوا بإنذار قومهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد تكليف الجن وعموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لهم:
المحاكمة والتحقيق العقدي: نصوص القرآن وإجماع الأمة متطابقة على أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الثقلين: الإنس والجن.
والجن مكلفون مأمورون منهيون يثابون بالجنة ويعاقبون بالنار، وخطاب القرآن المعجز يخاطب كل عقل مكلف، واستماعهم للقرآن وفهمهم لبلاغته وأصوله برهان على أهليتهم للتكليف وكمال الحجة عليهم.
التعبير بـ {صَرَفْنَا}: إسناد الفعل إلى الله بصيغة العظمة يدل على التدبير والتسخير الإلهي؛ فالله هو الذي يوجه القلوب ويسوق السامعين إلى مواطن النور.
التدرج السلوكي المتقن في الآية:
الحضور: {فَلَمَّا حَضَرُوهُ}.
الأدب والتواصي بالسكوت: {قَالُوا أَنصِتُوا}.
الاستيعاب حتى التمام: {فَلَمَّا قُضِيَ}.
المبادرة بالدعوة والإنذار دون تباطؤ: {وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ}.
اللمحة التدبرية: يا لندم بني آدم وخجلهم! عالم الجن يستمعون بقلوب واجفة وينصتون ويتأثرون ويبادرون بالدعوة، ورجال من قريش تتلى عليهم آيات الله بلسانهم العربي فيعرضون ويستهزئون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: ثبات الداعية ويقينه بأن دعوته محفوظة وممتدة؛ فإن صُد في موطن فتح الله له آفاقاً أخرى، وإن استكبر إنسيون أقبل غيرهم من خلق الله.
الأثر التربوي والعملي: التأدب بأدب الجن عند استماع القرآن: إلقاء السمع وحضور القلب وترك اللغو والتشاغل، والتحول الفوري من مقام التلقي إلى مقام البلاغ والنذارة: "بلغوا عني ولو آية".