قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، برهان كوني واستدلال عقلي قاطع على قدرة الله التامة على إحياء الموتى وإعادة الأجساد بعد فنائها.
روى الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٦٦)جامع البيانالطبري٢١/٦٦ عن قتادة في قوله: {وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ}: "قال: لم يعجز ولم يتعب، وعن ابن عباس قال: لم ينصب ولم يضعف، فمن قدر على خلق السماوات والأرض على عظمتها وسعتها وإحكامها دون عجز أو تعب، فهو قادر على إعادة خلق الإنسان الضعيف الصغير بطريق الأولى".
وقال ابن كثير: "يقول تعالى محتجاً على المعاد ومبيناً كمال قدرته: أولم ير هؤلاء المنكرون للبعث أن الله الذي ابتدأ خلق السماوات والأرض وما بينهما ولم يعجز عن خلقهن، ولم يمسه لغوب، قادر على أن يحيي الموتى؟! بلى إنه على كل شيء قدير".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستدلال العقلي الباهر يأتي في خواتيم السورة ليرد العقول إلى أصل القضية المتنازع عليها: قضية البعث والنشور التي كذب بها عاد والمشركون.
قياس الأدنى على الأعلى (برهان الإمكان والقدرة): خلق السماوات والأرض بنجومها وأفلاكها ومداراتها أعظم بكثير من خلق الناس، فمن بنى هذا الهيكل الكوني العظيم بلا نصب ولا إعياء، كيف يعجز عن إعادة نفوس بشرية خلقها أول مرة؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس قدرة الخالق على عجز المخلوق (توهم الإعياء والتعب):
دحض الشبهة بالمحاكمة العقلية: العي والتعب إنما يعتري المخلوق الضعيف لنفاد طاقته ومحدودية قدرته؛ أما الإله الحق القيوم فقدرته مطلقة لا تفتقر إلى بذل طاقة مادية تنقص بالفعل، بل أمره بين الكاف والنون: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
نفي الإعياء في خلق السماوات والأرض يقطع دابر قياس الغائب على الشاهد، ويثبت كمال القدرة الإلهية إثباتاً لا مدخل للريب فيه.
أسلوب الاستفهام الإنكاري التقريري: {أَوَلَمْ يَرَوْا}؛ لتوبيخ المنكرين على غفلتهم عن البدهيات العقلية المشاهدة بأعينهم كل صباح ومساء.
التوكيد بالباء الزائدة في خبر أن {بِقَادِرٍ}: لرد إنكارهم الممتد ورسوخ يقين القدرة الإلهية.
اللمحة التدبرية: من استعظم ذنبه أو استصعب تفريج كربته، فليتأمل في خلق السماوات والأرض وعظمة قدرة من لم يعي بخلقهن؛ فالذي أقام الأفلاك قادر على جبر كسرك وإحياء موات قلبك في لحظة واحدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: استعمال براهين الآفاق وعظمة الخلق في ترسيخ عقائد الإيمان بالبعث والجزاء لدى المخاطبين.
الأثر العملي والوجداني: امتلاء الفؤاد بالتعظيم والرهبة من الإله القادر على كل شيء، واستعداد العبد الدائم للقاء ربه حياً بعد موته ليحاسبه على النقير والقطمير.