قوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ}، يخبر تعالى عن عظمة خلقه وإتقان صنعه، وأنه لم يخلق هذا العالم العلوي والسفلي عبثاً ولا باطلاً، بل بالحق والعدل ولأجل محتوم ينتهي إليه وهو قيام الساعة، بينما الكفار لاهون معرضون عن الإنذار.
قال ابن جرير الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٢)جامع البيانالطبري٢١/١٢: "يقول تعالى ذكره: ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا لإقامة الحق، ولنجزي الذين أساءوا بما عملوا ونجزي الذين أحسنوا بالحسنى، ولأجل مسمى ينتهي إليه خلقهما فيفنى عند مجيئه كل حي، والذين جحدوا توحيد الله عما أنذرهم الله في كتابه وعبر رسله من حلول نقمته وسوء عقابه في الآخرة معرضون لاهون لا يتدبرون".
ونقل ابن أبي حاتم عن قتادة: "أجل مسمى: أي فناء الدنيا وقيام الساعة والبعث والنشور".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{بِالْحَقِّ}: الباء للملابسة؛ أي ملتبساً بالحق والحكمة والعدل، والحق ضد الباطل والعبث.
{أَجَلٍ مُّسَمًّى}: الأجل هو المدة المضروبة المحددة، ومسمى أي معين مقدر في علم الله لا يتقدم عنه ولا يتأخر.
{مُعْرِضُونَ}: اسم فاعل من أعرض يُعرض إعراضاً؛ أي ولى بظهره وصد وتجاهل الإنذار بالكلية.
التوجيه الإعرابي:
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{خَلَقْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) ضمير متصل في محل رفع فاعل.
{السَّمَاوَاتِ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة الظاهرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَالْأَرْضَ}: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَمَا بَيْنَهُمَا}: الواو عاطفة، (ما) اسم موصول مبني على السكون في محل نصب معطوف، وظرف المكان متعلق بمحذوف صلة الموصول.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور في محل نصب حال من الفاعل أو المفعول؛ أي متلبسين بالحق.
{وَأَجَلٍ}: الواو عاطفة، وأجل معطوف على الحق مجرور بالكسرة.
{مُّسَمًّى}: نعت لأجل مجرور بكسرة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر.
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول لا محل لها.
{عَمَّا أُنذِرُوا}: جار ومجرور متعلقان بـ {مُعْرِضُونَ}، و(ما) مصدرية أو موصولة.
{مُعْرِضُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بيّن أن الكتاب منزل من الله العزيز الحكيم، انتقل إلى كتاب الله المفتوح المنظور وهو خلق السماوات والأرض؛ ليبرهن على أن الإله الذي أنزل القرآن هو الذي بنى الأكوان بالحق والعدل.
ثم أقام المقابلة البديعة: إذا كان الكون كله خاضعاً لقانون الحق والنظام والأجل المسمى، فما بال الإنسان الكافر يشذ عن هذه المنظومة الكونية الكبرى ويعرض عما أنذر به؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العبثية والدهرية: زعم الماديون والدهريون أن العالم خلق صدفة ولا غاية من ورائه، وأن الحياة تدور في حلقة مفرغة من الموت والميلاد بلا بعث ولا حساب.
دحض الشبهة عقلياً:
الإتقان الباهر في حركة الأفلاك وقوانين الأرض والسماء ينفي العبثية قطعاً؛ إذ الصدفة لا تنتج نظاماً مستمراً بديعاً.
تحديد "أجل مسمى" برهان على أن الحكمة الإلهية تقتضي يوماً تفصل فيه الخصومات وتوزن فيه الأعمال، وإلا لتساوى الظالم والمظلوم، وهذا ينافي حكمة "العزيز الحكيم" المنزه عن العبث.
أسلوب القصر والحصر: {مَا خَلَقْنَا... إِلَّا بِالْحَقِّ}؛ قصر موصوف على صفة، لنفي كل مظاهر الباطل واللعب والعبث عن الصنعة الإلهية.
الجناس والاشتقاق الإيقاعي والمعنوي: بين نذارة الرسل في قوله {أُنذِرُوا} وإعراض الجاحدين في {مُعْرِضُونَ}، فجاء التعبير بالاسمية {مُعْرِضُونَ} ليدل على ثبوت الإعراض وتأصله في نفوسهم.
الإشارة التدبرية: الكون كله منضبط بالحق، فمن عاش بالباطل فقد عادى نواميس الوجود، وصار نغمة نشازاً في سيمفونية التسبيح الكوني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: إلزام المخالفين بقوانين الكون المشاهدة لنقلهم إلى الإيمان بالحق الغيبي المنذر به.
الأثر التربوي: إدراك قيمة الوقت وقصر الأجل؛ فإذا كان للسماوات والأرض أجل مسمى ينتهي إليه وجودهما، فإن أجل الإنسان أقصر وأسرع انقضاءً، مما يحفز على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل فوات الأوان.