ذكر الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٣١-٣٤)جامع البيانالطبري٢١/٣١ والبغوي وابن كثير وغيرهم: قيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ أسلم أبواه أبو قحافة وأم الخير، وأسلم أولاده عائشة وأسماء وعبد الرحمن وعبد الله ومحمد، وبنو أولاده، فكان أهله كلهم في الإسلام، ودعا بهذا الدعاء فاستجيب له. واللفظ عام في كل إنسان بار بوالديه متبع لأمر الله.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك وصححه والبيهقي في السنن عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن امرأة ولدت لستة أشهر فهم برجمها، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ليس لك ذلك؛ إن الله يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}، وقال في الآية الأخرى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (سورة لقمان)، فإذا كان الفصال في أربعة وعشرين شهراً كان الحمل في ستة أشهر، فرجع عثمان عن رجمها ودعا لها. وهذا من أدق استنباطات الصحابة الفقهية.
وروى أبو داود والترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك"، قلت: ثم من؟ قال: "أمك"، قلت: ثم من؟ قال: "أمك"، قلت: ثم من؟ قال: "ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{كُرْهًا}: الكُرْه بالضم المشقة التي تكلفها النفس من غير إكراه قاهر خارجي، وبالفتح الإكراه من الغير، وقيل هما لغتان بمعنى المشقة والجهد العظيم.
{فِصَالُهُ}: الفطام وفصله عن الرضاع من ثدي أمه.
{بَلَغَ أَشُدَّهُ}: الأشد كمال القوة البدنية والعقلية واستحكام الفطنة، ويكون بين الثلاثين والأربعين.
{أَوْزِعْنِي}: ألهمني واكففني واجعلني حريصاً مطيقاً لشكرك، من وزع إذا كف ومنع ليجتمع الأمر.
التوجيه الإعرابي:
{وَوَصَّيْنَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، وصينا فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{الْإِنسَانَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة.
{بِوَالِدَيْهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بوصينا، وعلامة الجر الياء لأنه مثنى.
{إِحْسَانًا}: مفعول به ثان منصوب، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره "يحسن إحساناً"، وفي قراءة الكوفيين بحذف الهمزة وسكون الحاء: {حُسْنًا}.
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ}: فعل ومفعول وفاعل.
{كُرْهًا}: حال منصوبة من الفاعل أو المفعول؛ أي ذات كره أو مكروهة، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر.
{وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا}: معطوف عليه.
{وَحَمْلُهُ}: مبتدأ مرفوع، والهاء مضاف إليه.
{وَفِصَالُهُ}: معطوف عليه.
{ثَلَاثُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
{شَهْرًا}: تمييز منصوب بالفتحة.
{حَتَّىٰ}: غاية زمانية جارة.
{إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}: إذا ظرفية شرطية، وجملة بلغ صلتها، وأشده مفعول به.
{وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}: معطوف عليه، وأربعين مفعول به منصوب بالياء، وسنة تمييز.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع ينقلنا من تقرير الاستقامة العامة إلى أعظم تطبيقاتها الميدانية في بر الوالدين وتزكية الأسرة المسلمة.
تخصيص مشاق الأم في الحمل والوضع والفصال ثلاثين شهراً؛ لبيان مزيد حقها وتقديمها في الإحسان لعظم ما لاقته من ألم وتعب لا يشاركها فيه الأب.
التدرج العمري: حتى إذا بلغ الأشد ثم سن الأربعين استجمع فكره وناجى ربه جامعاً بين شكر النعم الماضية، والعمل الصالح الحاضر، واستصلاح الذرية للمستقبل، والتوبة الصادقة المستغرقة، والاستسلام الكامل؛ وهو أكمل نظم لدعاء جامع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إهمال حق الأب بذكر آلام الأم وحدها:
المحاكمة والرد: قوله {بِوَالِدَيْهِ} قرر وجوب الإحسان إليهما معاً، ثم أفرد الأم بذكر أطوار الحمل والوضع والفصال لأنها تنفرد بالمعاناة الجسدية والنفسية الحيوية التي لا يملك الأب أن يخففها عنها، فكان من العدل والإنصاف التذكير بها لإثارة عاطفة الرحمة والوفاء في قلب الولد.
تحديد سن الأربعين: برهان على نضج العقل واكتمال التجربة، ففي هذا السن تتلاشى نزوات الشباب وتبرز مسؤولية الحصاد، وهو السن الذي بعث الله فيه عامة الأنبياء، فكان تخصيصه في غاية الحكمة والاتساق الإنساني والنفسي.
تكرار لفظ {كُرْهًا}: في الحمل والوضع؛ لتجسيد تتابع آلام الأم ومشاقها مرحلة بعد مرحلة، وتنبيه الولد على ديْن الوفاء المستحق عليه.
التعدية بـ "في" في قوله {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي}: لم يقل "أصلح ذريتي" فحسب، بل قال "في ذريتي"؛ لإفادة سريان الصلاح ورسوخه في وعاء الذرية وظروف نشأتهم وتوارثهم له جيلاً بعد جيل.
اللمحة الإشارية التدبرية: من أدرك الأربعين ولم تغلبه روح الشكر والتوبة وإصلاح الذرية والعمل الصالح، فقد فرط في أوان الإنابة وحان له أن يستدرك ما بقي من عمره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: جعل الأسرة وبر الوالدين ركيزة التماسك المجتمعي، والاهتمام بالدعاء للأولاد بالصلاح والاستقامة.
الأثر العملي والوجداني: دوام اللهج بهذا الدعاء القرآني المأثور عند بلوغ الأربعين وما قبلها وما بعدها: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ...}، واستشعار جميل الوالدين والحرص على برهما أحياءً وأمواتاً.