قوله تعالى: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}، تبكيت وتقريع ملزم للمشركين ببيان عجز آلهتهم التي عبدوها لتتقرب بها نفوسهم إلى الله بزعمهم، فغابت وتلاشت حين نزل بهم العذاب المستأصل.
قال الطبري في تفسيره (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ٥٨)جامع البيانالطبري٢١/٥٨: "يقول تعالى ذكره: فهلا نصر هؤلاء المهلكين من الأمم الخالية الذين عبدوهم من دون الله يتقربون بعبادتهم إليه آلهة بزعمهم، فيدفعوا عنهم عذاب الله حين نزل بهم؟! بل غابوا عنهم وتلاشوا وبطلوا فلم يجدوا منهم عوناً ولا نصرة، وذلك القول والظن هو إفكهم الذي أفكوه وكذبهم الذي كانوا يفترونه في الدنيا على الله".
وقال ابن كثير: "أي فهلا دفعت عنهم تلك الأصنام عذاب الله حين حل بهم؟! بل ضلوا عنهم؛ أي ذهبوا وتلاشوا أحوج ما كانوا إليهم، وذلك إفكهم وافتراؤهم الباطل الذي لا حقيقة له".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{فَلَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ وتعجيز؛ أي فهلا.
{قُرْبَانًا}: القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسيكة أو طاعة أو وسيلة زلفى.
{وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}: الواو عاطفة، (ما) مصدرية معطوفة على إفكهم؛ أي وافتراؤهم، أو موصولة؛ أي والشيء الذي كانوا يفترونه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يأتي خاتمة لملف إهلاك الأمم السابقة ومحاصرة منطق الشرك؛ فإذا كانت الأمم تشرك طلباً للقوة والشفاعة والغلبة، فإن محك الحقيقة التاريخية برهن على أن الآلهة لم تنصر أحداً، بل تخلت عن عابديها في أحلك اللحظات.
النظم جمع بين نفي النصرة وتصوير الضلال والتلاشي {بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ}، ليقرر أن الشرك سراب خادع لا حقيقة له في عالم الوجود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوسل بالأوثان كقربان يشفع عند الله:
المحاكمة العقلية: إبطال مفهوم الشفاعة الوثنية؛ فالشفيع ينبغي أن يملك نفوذاً أو قدرة أو إذناً من المشفوع عنده، وهذه الأصنام لم تستطع حماية نفسها ولا حماية عابديها من الريح أو الصاعقة، فكيف تشفع في الآخرة؟!
سقوط الوسائط المتوهمة عند نزول البأس برهان على أن اتخاذها كان محض كذب وافتراء خاوٍ من أي برهان واقعي أو عقلي.
أسلوب التحضيض التوبيخي {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ}: تنزيل المشركين منزلة من يطلب منه نصرة مستحيلة للتهكم بهم وإظهار عجزهم التام.
التعبير بالضلال {بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ}: استعارة دالة على التيه والانمحاء؛ فالصنم لم يعجز عن النصرة فحسب، بل غاب وتلاشى كأنه شيء ضائع لا يُهتدى إليه.
اللمحة التدبرية: كل ما تعلقت به من دون الله خذلك عند مسيس الحاجة؛ فالخلق ضعفاء، ومن اعتز بغير الله ذل، ومن استنصر بغيره خُذل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: كشف عجز القوى الأرضية المصطنعة أمام أقدار الله، وتوجيه القلوب للاستنصار بالله وحده لا شريك له.
الأثر العملي والوجداني: تجريد التوكل على الله؛ فلا يُرجى إلا فضله، ولا يُخاف إلا عدله، والبراءة من كل تعلق قلبي بمخلوق ضعيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.