روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، تفسير سورة الأحقاف، رقم ٤٨٢٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٢٧ عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً، فقال مروان: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ}، فقالت عائشة من وراء الحجاب: "ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلا وقد أنزل الله عذري"، وفي رواية أخرى صحيحة: "كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكنها نزلت في فلان بن فلان".
وأكد الطبري وابن كثير ومحققو التفسير أن الآية عامة في كل عاق لوالديه، جاحد للبعث، مستهزئ بالوحي، يضيق صدره بنصحهما ويصف الإيمان بأنه أساطير الأولين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أُفٍّ}: اسم فعل مضارع للتضجر والتقذر والضيق، وفيه لغات كثيرة (بالكسر والتنوين، وبالفتح، وبالضم).
{أَنْ أُخْرَجَ}: الإخراج هنا هو البعث والنشور من القبور أحياء بعد الموت.
{يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ}: يطلبان الغوث والمعونة من الله لهداية ابنهما، أو يسألان الله أن يغيثه بالتوفيق والنجاة من النار.
{وَيْلَكَ}: كلمة تقال للحث على الحذر والهلاك المحتوم إن لم يتب ويؤمن.
{أَسَاطِيرُ}: جمع أسطورة، وهي الأباطيل والخرافات المسطورة في الكتب القديمة التي لا أصل لها.
التوجيه الإعرابي:
{وَالَّذِي}: الواو عاطفة أو استئنافية، اسم موصول مبتدأ.
{قَالَ لِوَالِدَيْهِ}: جملة الصلة لا محل لها.
{أُفٍّ}: اسم فعل مضارع مبني على الكسر، والفاعل مستتر تقديره أنا.
{لَّكُمَا}: جار ومجرور متعلقان بأف.
{أَتَعِدَانِنِي}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، وتعدانني فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وألف الاثنين فاعل، والنون الثانية للوقاية، والياء مفعول به أول.
{أَنْ أُخْرَجَ}: أن وما بعدها في محل نصب مفعول به ثان، وأخرج فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر.
{وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ}: الواو حالية، قد حرف تحقيق، خلت فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والقرون فاعل.
{مِن قَبْلِي}: متعلقان بخلت، والجملة حالية؛ أي كيف أبعث والحال أنه قد مضت أمم وقرون لم يرجع منهم أحد؟!
{وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ}: الواو حالية، (هما) مبتدأ، وجملة يستغيثان خبر، والله مفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
روعة التقابل الإعجازي: بعد أن استعرض القرآن صورة الشاب التقي البار الذي دعا لوالديه بالرحمة والشكر واستصلح ذريته، أورد صورة هذا الشاب العاق المستكبر الفاسد العقيدة والسلوك؛ ليعقد مقارنة فاصلة بين ثمرات التربية الإيمانية ومهالك الإلحاد والعقوق.
تصوير مشهد الوالدين في حرقة الإشفاق: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ}؛ فالأبوان المؤمنان يبذلان وسعهما في الإنقاذ، بينما الابن المعاند يواجه شفقتهما بالغلظة والتبجح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إنكار البعث باحتجاج عدم رجوع السابقين: احتج الابن العاق بأن القرون الماضية ماتت ولم يرجع منها أحد مخبراً بالحياة الأخرى.
دحض الشبهة بالمحاكمة العقلية:
جهل بحقيقة الإلهية واليوم الموعود: البعث ليس رجوعاً فردياً عشوائياً إلى دار الدنيا، وإنما هو جمع عام محيط بجميع الخلائق في دار الجزاء والحساب التي حددها الله في أجل مسمى.
عدم المشاهدة لا يعني العدم؛ فالصانع القادر على الابتداء قادر على الإعادة بطريق الأولى، والاعتراض بخلود الموتى في قبورهم هو من ضيق الأفق العقلي المحجوب بالمحسوسات القاصرة.
الرسم المشهدي الدرامي الحارق: تصوير صوت التأفف المتمرد {أُفٍّ لَّكُمَا} في مقابل صرخة الوالدين المستغيثين بالله المشفقين على مصير ولدهما من الهلاك {وَيْلَكَ آمِنْ}؛ مما يثير أقصى درجات الاشمئزاز من العقوق.
التعبير بـ {يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ}: استعارة دالة على عمق كرب الوالدين، وكأن ولدهما يغرق في لجة كفر مهلكة وهما يستنجدان بالله لإنقاذه، وهو يأبى إلا الغرق.
اللمحة الإشارية: عقوق الوالدين والكفر بالمعاد قرينان متلازمان؛ فمن كفر بحق ربه المنعم بالخلق سهل عليه أن يجحد فضل والديه المنعمين بالتربية والرعاية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي: شفقة الآباء والمربين على الأبناء والاجتهاد في تحصينهم فكرياً وإيمانياً من وساوس الإلحاد وموجات التشكيك.
الأثر العملي والوجداني: الارتجاف والوجل من التلفظ بأدنى كلمة سوء أو تضجر في وجه الوالدين؛ فالقرآن جرم مجرد قول {أُفٍّ} فكيف بما هو أعظم منه من السب أو الهجران أو الإعراض؟!