قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}، استفهام إنكاري بمعنى النفي القاطع؛ أي لا أحد أشد ضلالاً وجهلاً وخسراناً ممن يترك الخالق القادر السميع البصير، ويعبد مخلوقاً عاجزاً أو حجراً صامتاً لا يجيب دعاءه أبداً ولا يدري عنه شيئاً.
قال الطبري (جامع البيان، مجلد ٢١، صفحة ١٦)جامع البيانالطبري٢١/١٦: "يقول تعالى ذكره: وأي عبد أضل طريقاً، وأذهب عن قصد السبيل، ممن يدعو من دون الله آلهة لا تستجيب له إلى يوم القيامة، لأنها جماد لا تسمع ولا تنطق ولا تفقه، وهم عن دعائهم غافلون؛ لأنها لا حس لها ولا إدراك".
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: "لا أحد أضل منه، عَبَدَ حجراً لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ولا يدري ما يُقال له".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
{أَضَلُّ}: اسم تفضيل من الضلال، وهو العدول عن طريق الحق المستقيم.
{يَدْعُو}: يتضمن معنى العبادة والاستغاثة والطلب.
{غَافِلُونَ}: جمع غافل، وهو الذاهل الذي لا إحساس له ولا شعور ولا إدراك بما يدور حوله.
التوجيه الإعرابي:
{وَمَنْ}: الواو استئنافية، (مَن) اسم استفهام إنكاري مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَضَلُّ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِمَّن}: جار ومجرور متعلقان بأضل، وهو مركب من (مِن) و(مَن) الموصولة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص ينحدر كالصاعقة على رؤوس المشركين بعد تعجيزهم بالبرهان؛ ليريهم شناعة وضعهم النفسي والعقلي: يعبدون من يغفل عنهم في الدنيا، ويخاصمهم ويكفر بهم في الآخرة.
التعبير بـ "مَن" التي تستعمل للعقلاء، وإجراء ضمير العقلاء عليهم في قوله {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}؛ لمشاكلة اعتقاد المشركين في آلهتهم حيث نزلوها منزلة العقلاء، أو لدخول المعبودين من الملائكة والأنصار والصالحين في ذلك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نفع الأصنام وقضاء الحوائج عندها: زعم الوثنيون أنهم استغاثوا بآلهتهم فرزقوا أو شفوا أو نصروا.
المحاكمة العقلية:
الصدفة والابتلاء الإلهي: إن صادف دعاء المشرك حصول المطلوب فإنما حصل بتقدير الله وقدره ليكون استدراجاً، لا ببركة الصنم العاجز.
العجز الذاتي التام: الحجر أو القبر أو المخلوق الميت لا يملك سمعاً ولا نطقاً ولا حياة، والطلب من الفاقد محال عقلاً، فجعل الرغبة والرجاء فيه قمة السفاهة والانحطاط العقلي.
الاستفهام الإنكاري الدال على نفي المساوي: {وَمَنْ أَضَلُّ}؛ أي لا أحد على ظهر الأرض أشد خبالاً وضلالاً وانحرافاً منه.
التأبيد الزماني في النفي: {إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}؛ لتصوير اليأس القاطع من أي نفع مرجو، فالدهر كله ينقضي وتلك الأوثان صامتة جامدة.
اللطيفة التدبرية الإشارية: كل من تعلق بغير الله في طلب كشف كربة أو تفريج هم، فهو في حظ من هذا الضلال؛ إذ المخلوق غافل عاجز، والخالق حي قيوم سميع قريب مجيب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي: التركيز على إبطال مظاهر الشرك والتعلق بغير الله في حاجات النفوس ورغائبها، وإرشاد الخلق إلى كمال التوحيد واللجوء إلى الله وحده.
الأثر الوجداني: امتلاء القلب براحة التوحيد ولذة مناجاة السميع القريب الذي يجيب دعوة الداع إذا دعاه، والبراءة من كل معبود سواه.