أخرج البخاري في صحيحه (رقم 50)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠ ومسلم في صحيحه (رقم 9)مصدر غير محددحديث رقم ٩ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث جبريل المشهور حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ»، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
وأخرج البخاري في صحيحه (رقم 4627)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٢٧ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ».
وروى الطبري (20/158)مصدر غير محدد٢٠/١٥٨ عن مجاهد أن رجلاً من أهل البادية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد؟ وبلادنا جدبة فأخبرني متى ينزل المطر؟ وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت؟ وقد علمت ما عملت اليوم فأخبرني ماذا أعمل غداً؟ ومتى تقوم الساعة؟»، فأنزل الله هذه الآية.
تفسير السلف لمفاتح الغيب:
قال قتادة: «أشياء خمسة استأثر الله بعلمهن فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً؛ فلا يعلم أحد متى تقوم الساعة، ولا يعلم أحد إذا هبت الريح أتمطر أم لا، ولا يعلم أحد ما في الرحم أذكر أم أنثى أحمر أم أسود شقي أم سعيد قبل تصويره، ولا تدري نفس ماذا تكسب غداً من خير أو شر، ولا تدري أين تموت في بحر أم بر في سهل أم جبل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الغَيْث: المطر المغيث الذي يأتي عند الحاجة والجدب فيغيث الأرض والعباد بالرحمة والحياة.
الأَرْحَام: جمع رَحِم، وهو مستودع الجنين في بطن الأنثى ومقر تخلقه.
تَكْسِبُ: الكسب: ما يناله الإنسان بجهده وعمله من مال أو علم أو طاعة أو معصية.
الإعراب والوجوه النحوية:
{إِنَّ اللَّهَ}: {إِنَّ}: حرف توكيد ونصب، {اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة.
{عِندَهُ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء مضاف إليه.
{عِلْمُ السَّاعَةِ}: {عِلْمُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، و{السَّاعَةِ}: مضاف إليه مجرور، والجملة الاسمية {عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} في محل رفع خبر إن.
{وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ}: الواو عاطفة، ينزل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو، والغيث مفعول به، والجملة معطوفة على خبر إن.
{وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ}: معطوف، ما اسم موصول مفعول به، وفي الأرحام صلته.
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ}: الواو استئنافية، ما نافية، تدري مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء، نفس فاعل مرفوع بالضمة، والتنكير للعموم.
{مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا}: {مَا}: اسم استفهام مبتدأ، و{ذَا}: اسم موصول خبره، أو {مَاذَا} كلها اسم استفهام مفعول به مقدم لتكسب، {تَكْسِبُ}: مضارع مرفوع، {غَدًا}: ظرف زمان، والجملة علقت تدري عن العمل وسدت مسد مفعوليها.
{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}: معطوف، والباء حرف جر وأي اسم استفهام مجرور متعلق بتموت، وأرض مضاف إليه، وتموت مضارع وفاعله مستتر، والجملة علقت تدري عن العمل وسدت مسد مفعوليها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة المقطع وختام السورة المعجز:
ختمت سورة لقمان بهذه الآية الجامعة التي تضع الختام الأروع لمنظومة الحكمة في السورة؛ فالسورة التي افتتحت بـ {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} وعرضت حكمة لقمان وأسرار الخلق والكون، ختمت بإعلان عجز العلم البشري وانحساره أمام خمسة من أعظم أسرار الغيب المطلق التي استأثر الله بعلمها.
فمهما بلغ الإنسان من الحكمة والتطور التقني والذكاء، فإنه يقف عاجزاً وجاهلاً بأقرب شؤونه الخاصة: ماذا سيكسب غداً؟ وبأي أرض سيموت؟! فكيف يتكبر ويستعلي على خالقه ومولاه؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التنبؤ بالأرصاد الجوية وتحديد جنس الجنين بالسوناَر (الأشعة الصوتية): يزعم الملاحدة والمشككون أن العلم الحديث نقض هذه الآية؛ لأن الأرصاد الجوية تتنبأ بنزول المطر قبل أيام، وأجهزة السونار والتحاليل الجينية تكشف جنس الجنين في بطن أمه قبل ولادته.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة الإعجازية:
هذا الجهل والخلط ناتج عن عدم التفريق بين "الغيب المطلق" و"الشهادة التقديرية":
في الغيث: قال تعالى {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} بصيغة الفعل والإيجاد ولم يقل "ويعلم متى ينزل المطر"؛ فالأرصاد الجوية ترصد سحباً تشكلت بالفعل، وتتوقع احتمالات حركة الرياح، وتخطئ كثيراً، ولا تملك قطرة ماء تنزلها أو تمنعها. أما الله فهو الذي ينشئ الغيث من العدم، ويعلم عدد قطراته وحباته، وأين تقع كل قطرة، ومقدار ما تنبته في الأرض حبة حبة قبل خلق السحاب بآلاف السنين!
في الأرحام: قال تعالى {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ} بصيغة {مَا} الدالة على العموم والاستغراق التام، ولم يقل "يعلم أذكر أم أنثى"؛ فعلم الطبيب بالسائل الجنيني أو السونار لا يكون إلا بعد التخلق وظهور الأعضاء، وهو قاصر على معرفة الجنس فقط؛ بينما علم الله يتعلق بالجنين من لحظة النطفة: يعلم شكله، وروحه، ورزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته أو سعادته، وبصمات أصابعه، وملايين الجينات والصفات الوراثية التي يعجز كل علماء الأرض عن الإحاطة بها.
تحدي العجز الذاتي الحاسم: ثم ألجمت الآية العقل البشري بالبندين الأخيرين: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؛ فهل تستطيع كل مختبرات العالم وأجهزته وحواسيبه العملاقة أن تخبر إنساناً واحداً بما سيكسبه غداً على وجه اليقين، أو في أي بقعة من الأرض سيلفظ أنفاسه الأخيرة؟! لا يملك أحد ذلك أبداً؛ فانكشف بطلان الشبهة وثبت الإعجاز القرآني الخالد.
وقوع النكرة في سياق النفي يفيد العموم والشمول المطلق؛ فلا يدري أي إنسان (ملك، رئيس، عالم، طبيب، غني، فقير) بمستقبله الغدي ولا بمكان قبره ووفاته.
الالتفات في التعبير بين علم الله وجهل الإنسان:
أسند إلى الله العلم التام: {عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ}، بينما نفى عن الإنسان أدنى دراية: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ}، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ}؛ لتصوير الفجوة اللانهائية بين علم الخالق المطلق وعجز المخلوق المطبق.
التدبر الإشاري:
جهل الإنسان بمكان موته ووقته هو عين الرحمة الإلهية به؛ ليعيش مقبلاً على العمل، مترقباً للرحيل في كل لحظة، مستعداً للقاء الله على أحسن حال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
هدم خرافات الكهانة والتنجيم وقراءة الأبراج وقراءة الفنجان؛ وبيان كفر من يدعي معرفة الغيب المستقبلي.
التوجيه التربوي:
تربية النفس على التوكل على الله وحسن الظن به؛ واستشعار الفقر والافتقار إلى مدده في كل صباح ومساء.
التوجيه العملي:
الاستعداد الدائم للموت بالتوبة ورد المظالم والوصية الصالحة؛ لأن الإنسان لا يدري بأي أرض يموت ولا في أي لحظة ينتهي أجله.
الوجدان الإيماني:
التسليم التام لأقدار الله وتدبيره، وسكون القلب واطمئنانه لعلمه أن مقادير الغد ومصائر الحياة والموت بيد رب عليم خبير رحيم بعباده.