قال ابن جرير الطبري في جامع البيان (20/141)مصدر غير محدد٢٠/١٤١: «يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين به من قريش: ألم تروا أيها الناس بأبصاركم وقلوبكم فتعلموا أن الله ذلل لكم ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وسحاب ومطر لمنافعكم ومعاشكم، وما في الأرض من دواب وشجر وأنهار وجبال ومعادن؟».
ونقل ابن كثير (6/340)مصدر غير محدد٦/٣٤٠: «ينبه تعالى خلقه على نعمه عليهم في الدنيا بأنه سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضاء بها ويهتدى بها في الظلمات، وسحاب ومطر ورياح، وسخر لهم الأرض قراراً ومهاداً وأجرى لهم فيها الأنهار والعيون، وبث فيها من كل دابة ورزق».
تفسير النعم الظاهرة والباطنة بالأثر:
أخرج الطبري (20/142)مصدر غير محدد٢٠/١٤٢ بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن النعمة الظاهرة والباطنة فقال: «الظاهرة: الإسلام والقرآن وما أظهر الله من نعمته ورزقه، والباطنة: ما ستر عليك من العيوب والذنوب ولم يعاجلك بالعقوبة».
وعن مجاهد والضحاك: «الظاهرة: الصحة وكمال الخلق وبسط الرزق، والباطنة: ما ستر الله من مساوئ العمل، والمعرفة بالقلب».
وعن الربيع بن أنس: «الظاهرة: حسن الصورة وإسباغ النعم في الأبدان، والباطنة: توحيد الله ومعرفته في الصدور».
نزلت في النضر بن الحارث وأضرابه من صناديد قريش؛ قال السعدي (ص 649)مصدر غير محدد٦٤٩: «يخاصم في توحيد الله وإرسال الرسل والبعث بغير علم عقلي صحيح، ولا هدى فطري سليم، ولا كتاب سماوي منير يهديه، وإنما هو مجرد اتباع للظن والهوى وتقليد الآباء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
سَخَّرَ: التذليل والتطويع والانقياد، يقال: سخرت الدابة إذا ذللتها ومكنت راكبها من قيادتها بغير امتناع.
أَسْبَغَ: الإسباغ: الإفاضة والتمام والكمال، يقال: درع سابغة إذا كانت تامة تغطي سائر الجسد، وأسبغ الوضوء إذا عمم الماء على الأعضاء وأتمه.
كِتَابٍ مُّنِيرٍ: المنير: المضيء الكاشف للظلمات الموضح للحقائق؛ من النور.
الإعراب والوجوه النحوية:
{أَلَمْ تَرَوْا}: الهمزة للاستفهام التقريري التعجيبي، {لَمْ}: حرف نفي وجزم وقلب، {تَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل.
{أَنَّ اللَّهَ}: {أَنَّ}: حرف توكيد ونصب ومصدري، {اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول من أن واسمها وخبرها سد مسد مفعولي تروا.
{سَخَّرَ لَكُم}: {سَخَّرَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر أن، {لَكُم}: جار ومجرور متعلقان بسخر.
{مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}: {مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لسخر، {فِي السَّمَاوَاتِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، {وَمَا فِي الْأَرْضِ}: معطوف عليه.
{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ}: الواو عاطفة، فعل ماض، والفاعل مستتر، وعليكم متعلقان به، {نِعَمَهُ}: مفعول به منصوب، وقرئ في السبع: {نِعَمَهُ} جمع تكسير مضاف إلى الهاء، وقرئ: {نِعْمَتَهُ} بالإفراد المراد به اسم الجنس المفيد للعموم والكثرة، والهاء مضاف إليه.
{ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}: حالان منصوبتان بالفتحة من النعم، أو نعتان.
{مَن يُجَادِلُ}: {مَنْ}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، {يُجَادِلُ}: مضارع مرفوع، وفاعله مستتر، والجملة صلة الموصول.
{فِي اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بيجادل.
{بِغَيْرِ عِلْمٍ}: جار ومجرور في موضع الحال من فاعل يجادل.
{وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}: معطوفان بحرف العطف والنافية لتأكيد النفي ونفي جميع مصادر المعرفة الحقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الحكمة الفردية إلى الخطاب الكوني العام:
بعد أن فرغ السياق من وصايا لقمان الحكيم لابنه التي جمعت أصول الحكمة العقدية والأخلاقية والعملية، التفت الخطاب الإلهي إلى عموم البشر ومشركي قريش بالاستفهام التقريري: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم}؛ ليربط بين الحكمة النظرية والبرهان الكوني المشهود.
فالمشرك الذي يعرض عن الحكمة ويتكبر عن الانقياد للحق، يواجه حقيقة كونه محاطاً بنعم الله المسخرة له في أرجاء الوجود، فكيف يليق به الجدال والمكابرة؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجدال الديني المعاصر والنسبية المعرفية (السفسطة الإلحادية): يمارس المشككون والملاحدة الجدل التشكيكي حول وجود الله وعدله وتكليفه بغير أي مرجعية علمية أو عقلية منضبطة، معتمدين على مجرد الإثارات الخطابية والشبهات السفسطائية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
وضعت الآية معياراً ابستمولوجياً (نظرية المعرفة) حاسماً لمصادر المعرفة الإنسانية؛ فحصرت أدوات البرهان في ثلاثة أركان لا رابع لها:
العلم: وهو البرهان العقلي الرياضي والاستدلال المنطقي الصارم القائم على التجربة والمشاهدة واليقين.
الهدى: وهو الاستبصار الفطري والنور القلبي والذوق السليم الذي تدرك به الفطرة حقائق الوجود وبداهته.
الكتاب المنير: وهو الوحي الإلهي المعصوم المنقول بالتواتر واليقين المسند إلى الخالق.
فإذا تجرد الجدل من هذه الأركان الثلاثة جميعاً — كما هو شأن الملاحدة والمشركين — كان جدلاً عبثياً قائماً على الجهل واللجاجة والهوى، ولا قيمة له في موازين العقول الرشيدة.
تشبيه إفاضة النعم على الإنسان بالدرع السابغة الواسعة أو الثوب الفضفاض التام الذي يغطي الجسد من رأسه إلى قدميه؛ إشعاراً بأن الإنسان مغمور بألطاف الله لا يخرج منها طرفة عين.
المقابلة البديعة بين {ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}:
طباق إيجاب يحيط بجميع أصناف المنن؛ فما من نعمة في الظاهر إلا وتدعمها آلاف النعم الخفية في باطن الجسد (العمليات الحيوية، المناعة، سريان الدم، نبض القلب) وفي باطن الروح ونظام الكون.
التدبر الإشاري:
أعظم النعم الباطنة ستر القبيح وإظهار الجميل؛ فلو كشف الله للناس ما تجنه القلوب أو ما يقترفه العبد في خلواته لما صافح أحد أحداً، ولكن ستر الحليم سبحانه هو الذي أقام الحياة ويسر المعاشرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إلزام الخصم بالأدلة العقلية والكونية؛ وتجريده من الشبهات بالاستفسار عن دليله: هل هو علم عقلي، أم هدى فطري، أم نقل معصوم؟ فإذا عدم الثلاثة انكشف عجزه وبطلان دعواه.
التوجيه التربوي:
تربية العقول على المنهجية العلمية ورفض الشائعات والمناظرات السفسطائية الخالية من الدليل والتوثيق، ومحاربة ثقافة الجدل العقيم في منصات التواصل.
التوجيه العملي:
استحضار شكر النعم الباطنة بالتوبة والاستغفار من ذنوب الخلوات، وشكر النعم الظاهرة بالإنفاق وتسخير القوى والجوارح في خدمة دين الله ونفع عباده.
الوجدان الإيماني:
الغرق في بحار امتنان القلب لله؛ والشعور بالخجل والحياء من كرمه وفضله وإسباغه للنعم مع تقصير العبد ومساوئه.